تعاني الأحياء الغربية من العاصمة التونسية أوضاعاً بيئية غير سليمة بسبب المعالجة غير الصحيّة للمياه المستعملة، ويخشى الخبراء من خطر تهميش هذه المناطق. وبهدف احتواء هذه المشكلة، تسعى الحكومة التونسية إلى إيجاد حلّ لها بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي.
سميرة الصدفي - تونس، أوروجار
أطلقت تونس خطة لتحديث محطات تطهير مياه الصرف الصحي في البلدوالتي يُقدر عددها بـ19 محطة على مرحلتين خلال السنة المقبلة بالإعتماد على مساعدة من الإتحاد الأوروبي. وقال مدير عام "الديوان الوطني للتطهير" (قطاع عام) المهندس خليل عطية لـ"الحياة" إن المحطات القديمة باتت متداعية أو أصغر حجماً من القدرة على استيعاب المياه المستخدمة التي تدفع بها كل يوم الأحياء السكنية، مع تزايد أعداد المقيمين فيها. وأوضح أن المرحلة الأولى ستشمل 8 محطات سيُطلق الديوان طلبات عروض في شأن تجديدها مع مطلع العام الجديد، فيما يأتي الدور على المحطات المتبقية لاحقا على أن تُستكمل عملية التجديد في بواكير السنة 2011. وأضاف أن المحطات التي تغطي جميع المحافظات تشتمل على 130 نقطة ضخ. وتُقدر الكلفة الإجمالية لخطة التحديث بـ232 مليون دينار (130 مليون يورو) ستؤمن الحكومة التونسية 42 في المائة منها فيما يأتي الباقي من قروض أمنها برنامج "تسهيل الإستثمار لصالح الجوار" (facilité d’investissement pour le voisinage). وقالت جيوليا بوسكوزي مسؤولة برامج البيئة في بعثة الإتحاد الأوروبي في تونس إن دور هذا البرنامج يتمثل بتأمين تمويلات من مصارف أوروبية رئيسية لتنفيذ الخطط التنموية التي تضعها البلدان الشريكة للإتحاد في المنطقة المتوسطية. وانطلاقاً من هذه الرؤية، سيقوم كل من البنك الأوروبي للإستثمار والمعهد الألماني للإقراض ومعاودة البناء (KFW) والوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) بتأمين التمويلات اللازمة لتجديد محطات التطهير التونسية بواسطة قروض ميسرة. وأكد السفير الألماني في تونس الدكتور هورس ولفروم كيرل لـ"الحياة" أن الإتفاق على صرف القسط الأول من التمويل تم التوقيع عليه مع الخارجية التونسية. وأفاد أن المشروع سيُمكن أيضا من تجهيز أربع محطات في المهدية وقفصة ونابل ومكنين بمعدات تتيح لها تصنيع كميات من غاز الميثان.
محطة جديدة
وفي سياق تعزيز شبكة التطهير الممتدة من المحافظات الشمالية إلى الجنوب، سيجري إنشاء محطة جديدة لتصحيح الأوضاع الشاذة في غرب العاصمة تونس. فبعدما تفاقمت البناءات الفوضوية في الأحياء الغربية للمدينة طيلة السبعينات والثمانينات، بات من الضروري إصلاح الأوضاع البيئية في حي الوفاق والعقبة والفراشيش والنصر ومحمد علي وبرج شكير وسواها. غير أن العملية تتطلب استثمارات كبيرة لا قبل للحكومة التونسية بتأمينها، ما جعلها تضع مائدة التعاون مع الإتحاد الأوروبي، الذي يُعتبر الشريك الرئيسي لتونس في مجال التنمية، خطة لإقامة شبكة تطهير تشمل هذه الأحياء.
وجاءت صعوبة علاج الوضع البيئي في المنطقة من غياب خارطة بيئية وتشابك أدوات الصرف البدائية التي تصب في أماكن السكن والتي وصفها أحد الخبراء بـ"الصرف الصحي الريفي في قلب المدينة".
خطر الإقصاء
ورأى أحد الخبراء التونسيين بتخطيط المدن أن بقاء الوضع البيئي على حاله البدائية يُعمق التهميش ويزيد من إقصاء سكان الأحياء الغربية من دورة التنمية ومسار التحديث الذي استفادت منه أحياء عصرية تقع في ضواحي أخرى. بهذا المعنى صار إدماج الأحياء الغربية في شبكة التطهير وسيلة لازمة لوقايتها من خطر التحول إلى "غيتو" مفصول عن الحلقات المدينية الأخرى، واستطرادا جعلها عالة على المدينة. وفي هذا الإطار قال المهندس خليل عطية لـ"الحياة" إنه "لا يمكن الحديث عن تنمية مستدامة ولا عن مؤشرات صحية مرضية أو عن تحسين نوعية الحياة أو حتى عن تبلور ثقافة حضرية (مدينية) إذا ما ظلت مياه مُلوثة تسري في جذور أحياء سكنية بكاملها وتُسمم الطبقات السفلى والمائدة المائية". وإلى جانب تلك الأحياء يهتم "الديوان الوطني للتطهير" بحي كبير آخر هو "سيدي حسين" الذي أنشئ أيضا خارج خطة التوسع المُعدة سلفا، إذ تمرد السكان الذين استوطنوه على التخطيط العمراني الذي وضعته البلدية. ويستعد "الديوان" لإقامة محطة جديدة في هذا الحي الذي يقع على حافة منخفض يتحول إلى بحيرة راكدة في الشتاء تتجمع فيها مياه الأمطار. وتُقدر كلفة المحطة التي أطلق عليها اسم "العطار" بـ43 مليون دينار (23 مليون يورو) وتبلغ طاقتها 60 ألف متر مكعب في اليوم، وهي ستخدم 25 حياً سكنياً من الضواحي الغربية للعاصمة. ويُمول الإتحاد الأوروبي من خلال البنك الأوروبي للإستثمار قسماً من المشروع، فيما تعهد كلّ من البنك الدولي والحكومة التونسية تأمين القسم الآخر.