بعد أربعة عشر عاماً من التشييد في القرن التاسع عشر، اتخذت الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، أو بازيليك الجزائر، أهمية رمزية ودينية تختصر بالكلمات التالية التي نُقِشت على قبّتها: "سيّدة إفريقيا، صلّي لأجلنا، مسيحيين ومسلمين."
بسمة كراشة - الجزائر، أوروجار
وجد نداء الأب هنري تيسيي رئيس أساقفة الجزائر السابق لترميم كنيسة السيدة الإفريقية استجابة عدة جهات داخل الجزائر وخارجها، فبادرت تلك الجهات إلى تقديم الدعم المالي والتقني من أجل إنقاذ الصرح المسيحي الفريد من التآكل وحمايته من السقوط. وأعطى هذا التعاون الذي جمع مندوبية المفوضية الأوروبية، وولاية الجزائر، وسلطات محلية واقليمية والدولة الفرنسية، إضافة إلى شركات خاصة جزائرية وفرنسية، بعداً إضافياً لتجاوز نظرية التعاون الثقافي المتوسطي إلى تعزيز لغة التسامح الديني، والحوار بين الثقافات والتفاعل الحضاري بين الشعوب المتوسطية، وتثمين فرصة أن "نعيش الاختلاف معا" حيث أكّد مشروع الكنيسة الجزائرية أنّ الاختلاف في الدين والحضارة والثقافة لا يفسد للودّ قضية.
وتمثّل كنيسة السيدة الإفريقية رمزاً من رموز مدينة الجزائر وأحد ملامحها البارزة، وتقع على مرتفعات بلدية بولوغين الخلابة. أما عمرها فلا يقل عن 150 سنة، إذ يعود تاريخ تأسيسها إلى منتصف القرن التاسع عشر، حيث فتحت أبوابها سنة 1872 وهي تجتذب حالياً حوالى 300 شخصاً في اليوم أي ما يساوي 100 ألف في السنة. وتعرف الكنيسة بهندستها الفريدة التي تمتزج فيها عدة أنماط فنية وهندسية كالطابع الروماني والبيزنطي والعربي. ففي الجهة الأمامية تجتمع على صحن الكنيسة ثلاث قبب وبابان، بينما في الجهة الخلفية أقيم برج الأجراس في شكل مئذنة مغاربية. وتنفتح الساحة الواسعة للسيدة الإفريقية على البحر، ذلك أنها تولي وجهها الجهة الجنوبية الغربية كما أراد لها مهندسها جون أوجين فروماجو (1822-1897). وخصّص الديكور في الداخل مكاناً واسعاً لقرابين الشكر التي كان يأتي بها مسيحيون ومسلمون للكنيسة منذ 150 سنة، كلّما نذروا نذراً وتحقّقت لهم أمنية أو رجاء.
وتعود ملكية الكنيسة إلى جمعية أبرشية الجزائر التي تأسست سنة 1972، وكان يترأسها أسقف الجزائر السابق الأب هنري تيسيي، الذي دعا إلى ترميمها، خاصة بعد أن زاد زلزال بومرداس سنة 2003 من هشاشتها، وأصبح البناء يشكّل خطراً على زوّاره، فتآكُل واجهة العمارة بات واضحاً بل وأضحى يهدّد ديمومتها، ممّا جعل مسألة الترميم أمراً ضرورياً وعاجلاً.
نداء أسقفي
وجد نداء الأسقف السابق آذاناً صاغية من طرف عدد كبير من المتبرعين الذين قدّموا دعماً مادياً معتبراً، وجاءت الأموال من جهات عامة أيضاً مثل ولاية الجزائر، الإتحاد الأوروبي، ودولة فرنسا، ومن جهات خاصة من الضفتين، منها شركة "سوناطراك" الجزائرية و"مؤسسة غاز دوفرانس" الفرنسية.
يكلّف ترميم الكنيسة أكثر من 5.2 ملايين يورو، ساهم فيها الإتحاد الأوربي بمليون يورو إلى جانب ولاية الجزائر التي قدّمت ما يزيد عن نصف مليون يورو، في حين تبرّعت بعض الجهات والمقاطعات ومدينة مرسيليا فيها بما يزيد عن مليون يورو، إضافة إلى ما قدّمه المتبرّعون، وهو ما سمح بانطلاق أولى عمليات الترميم سنة 2007، على أن تستمر لمدة ثلاث سنوات. وقسّمت العملية إلى ثلاث مراحل تبعاً للمجموعات المعمارية الثلاث التي تتشكل منها الكنيسة، حيث يتمّ في كل مرحلة تدعيم مجموعة واحدة من المبنى، إضافة إلى إعادة الاعتبار لنوافذ الكنيسة وواجهاتها الزجاجية التي تتمتّع بقيمة فنية كبيرة، والتي يصل عددها إلى 46 واجهة. وهذه الأخيرة لم تخضع لعمليات الترميم منذ وضعها من سنة 1868 إلى سنة 1873 إلا مرة واحدة عام 1943، عندما تضرّرت بعضها بسبب القصف الذي تعرضت له مدينة الجزائر.
ورش عمل وترميم
وأعطت خصوصية المبنى لهذا المشروع أبعاداً مختلفة، منها البعد الاجتماعي، حيث تمَّ إنشاء ورشة تعليمية في موقع الأشغال بهدف تدريب مجموعة من الشباب الجزائريين المهتمين بالترميم على تقنياته الحديثة، إضافة إلى تلقينهم خبرة تعود جذورها إلى العصور الوسطى، علماً بأنّ المؤسسة المشرفة على الأشغال هي للمهندس "غزافيي دافيد" المشرف على ترميم كنيسة السيدة الحارسة (نوتر دام دو لاغارد) بمرسيليا الفرنسية. إضافة إلى البعد الاقتصادي حيث سيمكّن المشروع مدينة الجزائر من تقديم تحفة معمارية بلا عيوب لسوّاحها. ناهيك عن كون الكنيسة قيمة إضافية لباقي الممتلكات الجزائرية الثمينة التي باتت تعني الإنسانية جمعاء. من جانبها علّقت جمعية أبرشية الجزائر على المشروع بالقول "إنه ليس مجرّد مشروع ثقافي، وهو أكبر من مجرّد ترميم مكان للعبادة، وأيضاً أكبر بكثير من ترميم صرح قيّم، إنّه رمز التعاون بين الجزائر وفرنسا، مثلما هو رمز للتعاون بين شمال وجنوب البحر الأبيض المتوسط، وأعمق من ذلك حيث يعقد هنا العزم على أن "تعيش معا" جماهير ومجتمعات، بإمكانها أن تلتقي رغم الاختلاف الثقافي والحضاري والديني".