Send to a friend

منإلى


Euromed

تعزيز وزارة العدل اللبنانية خطوة لحسن سير العدالة

25/10/2009


يعاني القطاع القضائي اللبناني من فجوة كبيرة في الكفاءات والمؤهلات، مما يجعل العمل في الدوائر العدلية بعيدا عن أبجديات العمل المهني. وهذا ما دفع بالاتحاد الاوروبي الى المساهمة بتعزيز قدرات العاملين في السلك القضائي... لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.


بيروت، الحياة

"العدل أساس الملك" يقول الشعار المعلق عند مدخل قصر العدل في أم الشرائع بيروت. سوى أن العابرين أمام ذلك المبنى أو حتى المراجعين والعاملين في داخله ما عادوا يتوقفون عنده كثيراً. فالقطاع القضائي في لبنان لا يشذ كثيراً عن غيره من القطاعــات الرسميـــة المصابة بالترهـــل الإداري وضعـف المــوارد المادية والبشـــرية وغيرها من المعوقات التي تجعل دورة العمل في الدوائر العدلية بعيدة من شروط الاحتراف والمهنية. وفي الوقت الذي يفترض ان يخضع جميع الأشخاص العاملين في قضايا العدل من كتبة وأطباء شرعيين وعناصر شرطة قضائية ومحامين وغيرهم لدورات تدريب خاصة في معهد التدريب القضائي قبل استلامهم مهامهم ودخولهم السلك الوظيفي، يبقى ان الواقع التطبيقي مخالف جداً عن النظرية. فالمشكلة أنه منذ ستينات القرن الماضي، اقتصر عمل المعهد على تدريب القضاة وحدهم دون سواهم من الموظفين العدليين، ما أدى الى نشوء فجوة كبيرة في الكفاءات والمؤهلات. وكان لا بد من تدخل سريع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

دورات تدريبية جوبهت بحاجز معنوي
ومن تلك الحاجة الملحة، انطلقت مبادرة الاتحاد الاوروبي بتمويل وزارة العدل بهبة تبلغ قيمتها 2,7 مليون يورو لتدريب العاملين في القطاع القضائي والعدلي من قضاة ومساعدين قضائيين وكتاب عدل وخبراء ومحامين. وكان الاتحاد الاوروبي سبق وقدم هبة للبنان من خلال مشروع "دعم تطبيق الاصلاحات" الذي تولى تنفيذه مكتب إدارة المشاريع التابع لرئاسة الوزراء، فاستفادت وزارة العدل من هذا البرنامج عبر مشروع "تعزيز قدرات وزارة العدل - دعم الاحترافية المهنية" الذي تنفذه "وكالة التعاون الدولي أكوجوريس". ويشمل المشروع أيضاً تقديم الدعم المطلوب لتوثيق قدرات وزارة العدل معهد الدروس القضائية وهيئة التشريع والاستشارات وهيئة القضايا ونقابة المحامين في بيروت.

وتقول مديرة المشروع أمل عبدالله أن "أكوجوريس" نفذ حتى الآن 25 دورة تدريبية بمعدل دورة في الاسبوع، استفاد منها على سبيل المثال لا الحصر 850 مساعداً قضائياً وذلك ضمن المرحلة السابقة من المشروع. وتوضح عبدالله أن أحد ابرز المشكلات التي واجهت فريق العمل هي الرفض النفسي للموظفين، فغالباً ما كانت تقابل تلك الدورات بسؤال: "لماذا نحن وليس هم". ونظراً إلى أن تلك الدورات لم تكن إلزامية، فقد واجهت تمنعاً في بدايتها لأن الموظفين عموماً غالباً ما يرفضون الاعتراف بعدم الخبرة أو الكفاءة. لكن عندما انخرط المحامون والقضاة أزيل هذا الحاجز المعنوي، خصوصاً بعدما صارت النتائج ملموسة في الواقع العملي.

وتتنوع ورشات العمل بين "محو الامية التقنية" عبر دورات على الكومبيوتر لتحويل الملفات القضائية الى قاعدة بيانات على أن تتركز المرحلة المقبلة من المشروع على مكننة المحاكم في شكل كلي، مروراً بالوساطة والتحكيم الغائبين في النظام القضائي اللبناني، وثمة سعي حالياً لإدخالهما عبر مشروع الوساطة القضائية، وصولاً الى إدارة مكاتب المحامين وأخلاقيات المهنة. فمثلاً إذا تخرج طالب حقوق وأراد ان يفتح مكتباً فهو بحاجة لأن يعرف الشروط والواجبات وكيفية إدراة المكتب ضمن القواعد والشروط والاخلاقيات المهنية، إضافة الى الإجراءات المدنية والضريبية وغيرها.

ابرز المستفيدين: الاطباء
ولعل الأثر الإيجابي الأكبر هو الذي تركته هذه الدورات في مهنة الطب الشرعي في لبنان. وتقول عبدالله: "يشعر الأطباء الشرعيون بالإهمال الشديد. ففي الوقت الذي تعتبر شهاداتهم أساسية في عمل المحاكم، إلا أن ظروف عملهم سيئة للغاية ولهم مطالب محقة جداً". وتضيف: "شروط الطب الشرعي الاولية مثل قاعات التشريح غير متوافرة حتى في الجامعات، إضافة إلى أن الخلفية القانونية لدى الاطباء أنفسهم تغيب كلياً في أحيان كثيرة لأنهم متخرجون في مدارس مختلفة وغالبيتهم ليسوا مختصين بالطب الشرعي الجنائي".

ويقول الطبيب الشرعي بلال صبلوح الذي كان ضمن المجموعة الاولى التي تخضع لتدريب في معهد الدروس القضائية، وصار بدوره مدرباً في المعهد: "المهنة غير منظمة في لبنان. فالكشف على الجثث يتم في صالات الطوارئ أو غرف المعاينات الخارجية. وإذا كانت ثمة حاجة للتشريح فتنقل الجثة الى المستشفيات الحكومية وهي وحدها المخولة استقبال هذه العمليات. لكنها تفتقر الى غرف تشريح مجهزة في شكل كاف، ولا إشراف من وزارة العدل وإنما من وزراة الصحة".

وصبلوح هو واحد من 6 اطباء لبنانيين أمضوا 7 أيام في باريس و7 في لندن حيث تلقوا تدريباً مكثفاً في مجال اختصاصهم، وذلك ضمن مشروع "تطوير النظام القضائي" بالتنسيق مع "اكوجوريس" عبر دورات أجريت في وزارة العدل. واعتبر صبلوح التدريب في الخارج فرصة ثمينة لتبادل الخبرات والمعارف والاطلاع على كل جديد، لكنها في الوقت نفسه مناسبة لرفع الصوت تجاه الوضع المزري لهذه المهنة في لبنان. فإلى جانب غياب المعدّات اللازمة في المستشفيات، هناك معوقات أخرى يعانيها الطبيب الشرعي وتنعكس بدورها على مجرى التحقيق وبالتالي الحكم. فأبسط مثال يعطيه صبلوح أنه في حالة الاعتداء الجنسي او الجسدي، يضطر الطبيب الى الكشف على الضحية في المخافر وأمام أعين رجال الشرطة. ويقول: "أحياناً نطلب من الشرطي الخروج من الغرفة خصوصاً في حالة الاعتداء الجنسي، لكن يبقى الكشف الفعلي صعباً، فالمخافر غير مجهزة بأسرّة طبية أو إضاءة مناسبة. هذا عدا عن أن اي إجراء طبي يحتاجه الطبيب وإن كان فحوص دم بسيطة يحتاج إلى موافقة خطية من المدعي العام".

وتتعقد أمور الطبيب الشرعي أكثر عندما يطلب منه المدعي العام تشريح جثة لمعرفة سبب الوفاة، فترفض العائلة لأسباب اجتماعية ودينية فتهدد أمن الطبيب. وفي حالات الوفاة إثر حوادث سير أو جريمة أو حتى وفاة غامضة، تبلغ ادارة المستشفى اقرب مخفر للشرطة الذي يبلغ بدوره المدعي العام وهو من يصدر أمراً للطبيب بمباشرة عمله. لكن فكرة تشريح الجثة غير مقبولة وتواجه بالرفض والوعيد في أحيان كثيرة، خصوصاً أن لا قوانين تفرضها وتحمي الطبيب من غضب أهل الفقيد.

وتركز الدورات التـدريبية التي تنظمها "أكوجوريس" على تلك النواحي القانونية والعمـــلية وهي الآن في مرحلتها الاولى التي اختتمت بإرسال مجموعة الى اوروبا، علماً أن ارسال مجموعات التدريب لا يقتصر على الأطباء الشرعيين وإنما على العاملين في كل القطاعات التي يغطيها المشروع. اما المرحلة الثانية التي تبدأ نهاية 2009 فتقسم الى مرحلتين أيضاً، نظرية وعملية.

وتعاني مهنة الطب الشرعي في لبنان من فائض في الموارد البشرية لكنها في الوقت نفسه غير مؤهلة تأهيلاً قانونياً كافياً. فالمراسيم المعمول بها تعود إلى ما قبل1946 ما يضع الأطباء أمام عقبة قانونية. فكل منهم ينتمي إلى مدرسة مختلفة في الطب الشرعي ويقوّم الأضرار المترتبة عن الحوادث بحسب قوانين البلدان التي درسوا فيها في ظل ثغرة قانونية في لبنان. وهذه الاختلافات تظهر في التقارير التي يرفعونها للمحاكم وتؤثر وإن في شكل غير مباشر في الأحكام الصادرة.

جانب الطب الشرعي نموذج واحد عن عمل أكثر شمولية تقوم به مؤسسة "أكوجوريس" التي تضم في مجلس إدارتها هيئات عدلية وقضائية فرنسية، وذلك ضمن الهبة الممنوحة لها من الاتحاد الاوروبي. فحتى الآن أنجز المشروع 16 محاضرة تدريبية عامة وتطبيقية لـ 475 قاضياً و28 محاضرة لـ 850 مساعداً قضائياً و14 محاضرة لمئة كاتب عدل و100 خبير قانوني و4 دورات عامة وتطبيقية لألف محام. وهي نشاطات تمت بمساعدة تقنية واستشارية من وزارة العدل اللبنانية ونقابة المحامين في بيروت.







تعليقاتكم
ياسر عبداللاه محمد، مصر | 13-12-2009, 23.36h

ان الدعم الخلاق الذى قدمه الجانب الاوربى لتحسين مرفق العداله امر محمود الجانب . والحقيقه ليس البلد الوحيد الذى يحتاج مثل هذا الدعم فاعتقد ان مرفق القضاء فى العالم العربى محتاجه الى كثير من الدعم التقنى الاوربى فى هذا المجال حتى يستطيع هذا المرفق تادية دوره بكفاءه تحقق العداله للمواطنين . فمصر مثلا وانا احد المحامين المصريين نعانى من بطء شديد للقضاء فضلا عن ازدحام المحاكم بملايين القضايا التى تجعل الاحكام فيها غير محققة للعداله . فكيف لقاضى ان يحكم مثلا فى 500 قضيه فى جلسه واحده؟! بالتأكيد ستكون هناك احكام مجحفه ومخالفه للعداله . لذلك فحبذا لو قام الجانب الاوربى بدعم مرفق القضاء فى كل دول جنوب المتوسط.

حسين الدويري، الأردن | 28-11-2009, 07.39h

ارى ان القضاء في لبنان خصوصا والعالم العربي او العالم الثالث عموما معاناته لاتكمن في القضاة والاداريين والاطباء الشرعيين وتأهيلهم من عدمه، علما بان هذا مطلب ملح ومهم، والاجهزة والتقنيات لاتقدم من حسن سير االعدل، ما دامت العملية القضائية خاضعة لارادة سياسية، وما دام القاضي غير محمي والجسم القضائي فيه ولاءات ايدولوجية لهذا الطرف او ذاك وتعيينه وارساله الى دورات في لندن او باريس تكون حسب قربه من السياسين او بعده عنهم، وهل الاتحاد الاوروبي الذي يملك برلمانا حرا وقويا وقضاءه لا يخضع لسلطة سياسية يقوم بعمل تقييم دوري للدعم الذي يقدمه؟

فؤاد يازجي، سوريا | 25-11-2009, 19.10h

أسمى ما يمكن أن أفعله لجار لي هو النهوض بقدراته الذهنية لمرتبة أعلى.لانه لن يحبني أكثر الا اذا انعتق أكثر من فطرته الى فكر عميق كالذي أنا عليه. من هنا الهدف الاكبر لأوروبا يجب أن يكون خلق انسان أعلى في لبنان والبلدان المتخلفة عموما، ولا يمكن له ألا يكون حبيب. وبالعكس اذا انحدر الى فطرته أكثر لا يمكن ألا يهاجم حتى أخيه.

ياسر قطيشات، الأردن | 23-11-2009, 13.22h

نجاح التعاون بين لبنان والاتحاد الاوروبي من خلال ما قدمته وكالة "ACOJURIS" الدولية لوزارة العدل وللقضاء اللبناني لرفع مستوى القدرات البشرية في سلك القضاء في لبنان ترجم امتزاج رائع لاسس القانوني اللبناني العربي الشرقي مع قواعد القانون الأوروبي وخاصة الفرنسي ، ما سمح بالعمل بمهنية اكثر في السلطة القضائية اللبنانية. تعزيز القضاء في لبنان يسهم ايضا في تقوية دولة القانون والديموقراطية. وهذا المشروع المتميز والخلاّق للاتحاد الأوروبي شارك في تكوين فريق مدربين حائزين على كفاءات تعليمية وقدرة على التدريب، وقدموا قاعدة للانطلاق للشروع في انشاء قسم تدريب مساعدين قضائيين في معهد الدروس القضائية.

محمد كمال ياسين، لبنان | 19-11-2009, 11.56h

القضاء في اوروبا اليوم مشهود له, والانسان في لبنان مشهود له, ولدينا في لبنان فساد الحكم والنظام ولدينا انسان طموح ينتظر من يصلح من حوله. فأهلا بالمساعدة الأوروبية لازالة الفساد وشكرا لأوروبا لنشر العدالة داخل لبنان.