المباحثات بين سوريا والاتحاد الأوروبي حول اتفاق الشراكة تسير أبطأ من السلحفاة. وبحسب الباحث الاقتصادي روجيه ملكي، فان عملية التصديق النهائي على النصقد تستغرق وقتا طويلاً لأسباب لوجستية وسياسية في آنٍ معًا.
روجيه ملكي، باحث اقتصادي
بعد ستة أعوام من المفاوضات القاسية والمضنية، باتت سوريا الدولة المتوسطية الأخيرة التي توقع اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي. في الواقع، ان هذا الاتفاق لا يمكن أن يُعدله أي من الأطراف،ولا يمكن لأية سلطة اوروبية، وطنية، أو فوق وطنية، أن تعيد طرح بنوده، كليا أو جزئيا، خلال مرحلة المصادقة عليه. ولكن في المقابل، يمكن تأخيره، وهذا ما سيحصل على الأرجح، قبل أن تصبح بنود الاتفاق كلها موضع التطبيق النهائي. عمليا، ليس التوقيع سوى بداية مسار تقني طويل يتطلب إنجازه أشهرًا عديدة، بل ربما أعوامًا عدة، وذلك إذا جرى كل شيء من دون عوائق خارجية.
مئات الصفحات
أحد أوائل عوامل التأخير مرتبط بحجم النص المعتمد بين الطرفين، والذي يتجاوز 1500 صفحة. هذا العائق هو نتيجة إصرار السلطات السورية على تضمين الاتفاق لائحة طويلة من التعريفات والترتيبات الجمركية، مما يظهر تردد المسؤولين السوريين حيال إصلاح الهياكل الداخلية. في المبدأ، لا يمكن لتفحص وثيقة بهذا الحجم من قبل مختلف االسلطات إلا أن يكون طويلا ومضنيًا. وتتضخم مصاعب كهذه عبر تعقيدات الترجمة، حيث إن الاتفاق يجب أن يُترجم إلى 23 لغة أوروبية معترف بها رسميا. ومن المتوقع لاحقا ان يتم التصديق على هذا النص من قبل مجلس الوزراء الاوروبي حيث لا يمكن استبعاد احتمالات التأجيل. ما إن تتم الموافقة عليه في مجلس وزراء أوروبا، على الاتفاق أن يحظى بتأييد البرلمان الأوروبي. هذه المرحلة ليست أكثر سهولة من المرحلة السابقة لأن العوامل والظروف السياسية للمصادقة تدخل بعين الاعتبار. بعد البرلمان الأوروبي، على البرلمان السوري وبرلمانات الدول ال25 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أيضا أن تصادق على الاتفاق قبل ان يوضع نهائيا موضع التطبيق. عملية كهذه عادة ما تكون مضنية ويمكن أن تكون هي أيضا موضوع تقييم سياسي.
القليل من التفاؤل
مع وصول الرئيس بشار الأسد إلى السلطة في العام 2000، كثرت التوقعات بتسريع في عملية المفاوضات مع أوروبا واعتماد سريع للوثيقة النهائية. كبرت هذه الآمال مع تعيين فريق جديد من المفاوضين. ولكن هذا التفاؤل كان قصير الأمد واصطدمت الأدمغة المفكرة الجديدة للسلطة بالواقع السياسي الذي لا يزال يحتله الحرس القديم. بالنسبة لتقنيي بروكسل، من غير المجدي ممارسة الكثير من الضغوطات على سوريا وتأخير البدء بتطبيق بعض بنود الشراكة. فالهدف ليس إعادة الاعتبار إلى النظام الموجود ولا تخليصه من التزاماته بتطبيق الاصلاحات، وإنما تجنب معاقبة البلد وتقليص التعاون. في الواقع، يتضمن الاتفاق العديد من الحوافز الجذابة لدمشق. ويقول الاوروبيون: اننا نخاطر، عبر حرمان أصحاب القرار السوريين من الإيجابيات منذ البداية، بأن نوجههم ضد أوروبا. على العكس، إذا قدمت المساعدات على أنها إجراءات مرافقة للتغيرات، ندفع السلطات السورية إلى التخفيف من تشددها.
من جهة اخرى، ان هذا التقارب بين سوريا واوروبا سيسهل اجراء اصلاحات داخلية وسيسمح لدمشق بإعادة تحديد علاقاتها الخارجية، ولا سيما مع لبنان، على قواعد سليمة. ان التعاون مع اوروبا سيكون حتما بمثابة محرك يضيف الحيوية على مجموع العلاقات الجنوبية-الجنوبية في المتوسط.
|
ما هو رأي المعارضة السورية؟
تعتبر المعارضة السورية أن أوروبا ترتكب خطأ بالمراهنة فقط على حركة تجديد في قلب حزب البعث الحاكم في دمشق، من أجل إعادة هيكلة الحياة السياسية والاقتصادية في البلد. في الواقع، عَبّر العديد من القادة والمراقبين الأوروبيين عن أمل كبير لحظة وصول الرئيس الشاب بشار الأسد إلى السلطة في العام 2000، وحول الفريق الذي استدعاه إلى جانبه من أجل مباشرة الإصلاحات الضرورية لتحديث سوريا. بعد خمس سنوات، تبعثر فريق الإصلاحيين ولا يستطيع النظام السوري إلا اقتراح بعض الإجراءات الخجولة، وذلك بالرغم من الضغوط الدولية والانعطافات التي حصلت في لبنان عقب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري.
لا تمنع هذه الملاحظة المعارضين السوريين من المطالبة بضرورة وضع اتفاق الشراكة مع أوروبا موضع التنفيذ بشكل سريع. بالنسبة إليهم، هذا التعاون ضروري ويعزز من إمكانيات النهوض. فقد استُهلك النظام عبر 35 عامًا من السلطة وفقد جزءا كبيرا من قدرته على استرداد الدعم الأوروبي. من دون دور فاعل للمجتمع المدني، ومن دون تجديد الطبقة السياسية الحاكمة، من غير المرجح أن تستطيع سوريا الدخول في سياسة جوار طموحة مع أوروبا.
|