هل أضحى المتوسّط منطقة سلام واستقرار؟



لا يمكن الاستهانة بالنمو الاقتصادي والسياسي الذي حلّ بمنطقة الشرق الأوسط منذ إعلان إتفاقية برشلونة، ولكن أموراً كثيرة أخرى تنتظر المعالجة. ويمكن أن تعتبر الدول التي انضمّت أخيراً إلى الاتحاد الأوروبي مصدر إلهام لجيرانها في الجنوب لجهة الإصلاحات التي ينبغي تطبيقها.

 

ابرهارد رين، مستشار أعلى في "مركز السياسة الأوروبية" في بروكسيل

لم يكن إعلان برشلونة للعام 1995 يرمي إلى أن يكون برنامج إصلاحات، لذلك لا يمكن أن يكون محفّزاً قوياً لإجراء إصلاحات ،مقارنة مع آلية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي التي تحتّم هذا الأمر. كان الإعلان أشبه بقائمة من الأفكار، وضعها دبلوماسيون ذوي نوايا حسنة في إطارعملية تفاوضية صعبة بين الجانب الأوروبي والشركاء العرب وإسرائيل. وقد وافق عليها رؤساء الحكومات الذين اكتفوا بإعلان صيغ بأسلوب متقن، من دون أن يفكّروا كيف يمكن أن يتحقّق السلام والأمن والازدهار في المتوسّط. ولذلك، يعتبر إعلان برشلونة في أفضل الأحوال وثيقة مرجعية عامة يمكن للمواطنين والقادة السياسيين العودة إليها متى رغبوا في إطلاق تغييرات وإصلاحات.

إذا نظرنا إلى التطوّرات السياسية والاقتصادية في منطقة المتوسط على امتداد الأعوام العشرة الماضية، نجد عناصر ايجابية أكثر منها سلبية.

أولاً والأهم، هو أنّ الحكومات والمواطنين أدركوا الحاجة لإصلاحات سياسيّة واسعة. وقد بدأت بعض الدول بالفعل بتنفيذ ذلك. ويعتبر كلّ من لبنان وتركيا والأردن والمغرب من الدول السبّاقة في الإصلاحات السياسيّة والقانونية والقضائية، وليس أمام الدول الأخرى سوى التمثّل بها. وبفضل الإعلام، أضحى كلّ مواطن في العالم العربي اليوم يعرف ما يجري من حوله.

ثانيا، أصبح مستوى الفساد مقبولاً إلى حدّ ما في المنطقة، لا سيّما في مجموعة دول المتوسّط الأكثر انخراطاً في المجتمع الدولي. أمّا الأردن وتونس، فهي من أبرز الدول التي تحارب الفساد في المنطقة.

ثالثاً، يبدو أنّ مستويات النموّ السكّاني انخفضت بشكل فعلي، وبالتالي أضحت التوقعات بالنسبة لأسواق العمل ما بين العام 2015 والعام 2020 واعدة أكثر من السابق، باستثناء الأردن وفلسطين ومصر التي يتعيّن عليها أن تضاعف جهودها لخفض نسب النموّ السكاني المرتفعة جداً.

رابعاً، تشهد نسبة دخل الفرد ارتفاعاً في دول المنطقة كافة، باستثناء فلسطين. ويبدو أنّ مصر وتونس ولبنان وحدها تمكّنت من تحقيق نموّ سنوي في الدخل بمعدّل ثلاثة في المئة، الأمر الذي ساهم في تقليص الهوّة بينها وبين أوروبا إلى حدّ ما.

خامساً، أضحى الاستقرار الاقتصادي أكثر رسوخاً من أي وقت مضى في المنطقة، باستثناء لبنان.
 

أخيراً، يبدو أنّه تمّ تجنيب منطقة المتوسّط الدخول في صراعات عسكرية. إلاّ أنّ النزاعين الإسرائيلي-الفلسطيني والجزائري-المغربي (حول الصحراء الغربية) يبقيان بلا حلول. ومع ذلك، يبقى الإنفاق العسكري في المنطقة مرتفعاً جداً (مقارنة بالناتج المحلي العام)، وهو يشكّل ضعف ما ينفقه الاتحاد الأوروبي في هذا المجال! في لبنان وسوريا والأردن ما زال الإنفاق العسكري يفوق الإنفاق على التعليم! ولا شكّ في أنّ هذا الواقع لا يسمح بالتأهّل للمنافسة الدولية وتأمين نوعية حياة أفضل للمواطن العادي.

في الخلاصة، لا بدّ من الاعتراف أنّ المشهد ليس قاتماً إلى هذا الحدّ في المجالات كافّة. غير أنّ ما جرى هو أنّ العالم حول منطقة المتوسط اندفع متقدماً في التطور الاقتصادي والإصلاحات السياسية الاجتماعية، فظهرت منطقة المتوسّط وكأنها تتراجع نسبة لتقدّم مَن حولها.

هل تستطيع أوروبا المساعدة في عمليات الإصلاح ؟
نعم، بإمكانها المساعدة ويتعيّن عليها المساعدة، إذ يمكنها ان تشكّل نموذجاً لادارة الإصلاحات. غير أنّ إدارة الإصلاحات هذه لا يمكن أن تُنسخ بطريقة عمياء، بل يتعيّن على الملتزمين بها دراسة تجارب غيرهم بعناية، ودراسة كيفية تعامل الآخرين مع مشكلات مشابهة.

لقد أطلقت أوروبا في السنوات العشر الأخيرة عدداً من الإصلاحات يفوق ما أنجز في أي منطقة أخرى من العالم. وهذا ينطبق بصورة خاصة على الدول العشر التي انضمّت حديثاً إلى الاتحاد. والجدير بالذكر أنه يمكن لدول المتوسّط أن تستوحي اصلاحاتها السياسية من هذه الدول بالذات، أكثر بكثير من الأعضاء القدامى.

يبدو أنّ مصلحة أوروبا الخاصة تكمن أيضاً في إجراء إصلاحات سياسية واقتصادية في الدول المجاورة، إذ لا يمكنها أن تشعر بالأمان قبل أن يتمتّع المواطنون في الدول المحاذية لها بظروف حياة لائقة، بما في ذلك فرص عمل في بلادهم، ما لا يضطرّهم إلى التطلّع إلى أوروبا على أنها "الجنّة المنشودة التي ينبغي الهجرة إليها". لقد فهمت أوروبا هذه الرسالة تماماً، وخير دليل على ذلك هو سياسة الجوار التي أطلقتها أخيراً. ولكن في سبيل انجاز نتائج مجدية في فترة زمنية معقولة، يتعيّن على الاتحاد الأوروبي استثمار المزيد من موارده البشرية والسياسية والمالية في دول المتوسط المجاورة الراغبة في إجراء إصلاحات. أمّا دول المتوسّط فيجب أن تتحلّى بالالتزام نفسه لجهة الاصلاحات، وإن كانت إمكانية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي فرضيّة غير مطروحة في الأساس.


(ملفات يوروميد 2005)







تعليقاتكم
محمد على كرم أبو السعود، مصر | 20-03-2010, 00.58h

يبدو أن إداراك الحكومات والمواطنين للحاجة الى تلك الاصلاحات هو إداراك زائف ، فلابد أولا من هيكله العقل العربى بما يتناسب مع مجريات العصر الحديث لانه لازالت حتى الان العقلية العربية وبرغم وجود هذه التطورات بالفعل الا انه لا يستطيع التصديق على وجودها وحدوثها بما يعنى انه لن يشارك فى شئ غير موجود بالنسبة له ، لذلك وجب اولا إبتكار الاساليب ذات القدرة على اعادة هيكلة عقلية المواطن العربى التى بدروها ان اتت بثمارها سنجد ان هناك استيعاب للنمو السكانى وانخفاض معدل الفساد وغيرها من عوائق التطورات السياسية والاقتصادية ومنها نستطيع اجراء المقارنة بين دول المتوسط العربى والاتحاد الاوروبى

صفاء بديوي، سوريا | 13-03-2010, 19.17h

شهد المتوسط نزاعات كثيرة عبر التاريخ منذ قيام الثورة الصناعية في اوربة، للحصول على اسواق بيع منتجاتها والوصول الى مواد اوليه للصناعة والى الوقود، المحرك لتلك الثورة الصناعية وبالمقابل عبر العرب المتوسط فاتحين ناشرين افكار التوحيد تداخلنا وتناسخنا عبر السنين، ولاشك كل منا كان حذرا من الاخر ولكن ايدي السلام البيضاء كانت اسرع من الافكار السوداء التي تخيم على العقول البلهاء وامتدت جسور المحبة وافكار نهضة اورو متوسطية عملت على تهدئة النفوس والتقت المصالح الاقتصادية والسياسية بحكم الطبيعة الجغرافية، الله جمعنا برقعة واحدة على شاطئ بحر هادئ والله محبة

علي عدنان آل طعمة، هولندا | 12-02-2010, 06.47h

إن المقارنة بين الاصلاحات التي ادخلتها الدول الأعضاء الجديدة في الاتحاد الأوروبي ودول المتوسط العربية ليست دقيقة. فالدول الأعضاء الجديدة أجرت اصلاحاتها وهي تتوقع مكافأة فورية ملموسة تتمثل في دخول عضوية الاتحاد الأوروبي بما يأتي ذلك من فوائد سياسية واقتصادية بل ومالية. ولم تزل دول أقدم في الاتحاد الأوروبي إلى وقت قريب تستفيد من ماليات الاتحاد الأوروبي كالبرتغال واسبانيا واليونان. كما أن الدول الجديدة في الاتحاد الأوربي وُجدت فيها ديمقراطيات وإن كانت حديثة ومشوبة بالفساد. تركيا مثلاً تجري الكثير من الاصلاحات على مستوى فصل العسكر عن الدولة وحقوق الإنسان وحرية التعبير والاقتصاد ومكافحة وعينها على مكافأة ملموسة هي عضوية الاتحاد. طبعاً لا يمكننا أن نقول أن الدول العربية المتوسطية يجب أن تكافأ بعضوية الاتحاد الأوربي لأن ذلك غير وارد سياسياً ولا ثقافياً, فالبرغم من الروابط التاريخية المتوسطية فالدول العربية المتوسطية غير أوربية وإن كانت سلسلة من التناقضات الجغرافية والتاريخية والثقافية قد جعلت اسرائيل بلداً أوربياً شيئاً ما. المهم أن الأنظمة العربية - الغير ديمقراطية في معظمها إلى هذا اليوم - ليس لها نفس المحفزات والمكافأات قياساً بدول الاتحاد الأوربي الجديدة.

سيلفا إسلام، سوريا | 11-01-2010, 10.17h

ان عنوان المقالة المطروحة يتطلب الكثير من التعمق في التفكير والتحليل فالمنطقة العربية ماتزال تعاني من عدم الاستقرار الاقتصادي والذي يؤثر سلباً على المواطن العربي من حيث تزايد معدلات البطالة والأُمية وتراجع مستويات المعيشة, وغيرها. فقبل أن نجيب عن هذا السؤال المطروح (هل بات المتوسط منطقة سلام واستقرار)لابد من إجراء دراسات تحليلية لمعرفة متطلبات النمو الاقتصادي أي ما يسمى باقتصادات المعرفة وقياس أثر الرأس المال البشري على معدل النمو في الأجل الطويل لما لها من علاقة بسلوك الأفراد المسئولين عن تراكم المعرفة والعناصر المنتجة الأخرى مثل تراكم رأس المال المادي والتوسع في قوى العمل والتقدم التكنولوجي. الاقتصاد بات مرتبطاً بالسياسة فالجهود المبذولة في سبيل تحقيق هذا الاستقرار في المنطقة لن تكون على الوجه الأكمل مالم يتحقق الاستقرار السياسي والذي تعمل إسرائيل على عرقلته وعرقلة كل ما هو ضد مصالحها الاقتصادية والسياسية.

اياد محمد، الأردن | 13-12-2009, 17.30h

اولا: بفضل الاعلام الموجه اضحى كل مواطن لا يعرف ما يجري من حوله
ثانياً:اصبح مستوى الفساد غير مقبول بحيث الغني يبقى يرتقي في غناه والفقير يبقى يغوص في فقر اكثر.
ثالثا:مستويات النمو التي انخفضت بشكل فعلي بسبب عدم قدرة المعيل على الانفاق على اسرته حتى لو كانت مكونه من اثنين.
رابعاً: يتناسب مستوى المعيشة ودخل الفرد تناسبا عكسياً فكلما زاد وارتفع مستوى المعيشة انخفض او انعدم دخل الفرد.
خامساً: اين الاستقرار الاقتصادي الراسخ الذي توثر فيه اقل الخسائر في اي مكان في العالم.
وفيما يخص تجنيب المنطقة في دخول صراعات عسكرية فقد حل محلها الغزو الفكري والعولمة. وفيما هل تستطيع آوروبا المساعده في عمليات الاصلاح، فكل عربي اصبح يحسد دول اوروبا على توحدها الاقتصادي والصناعي وحتى المعيشي، اعتقد ان بامكان الدول الاوروبية المساعدة بشكل كبير.