موسيقيون نظموا حفلات مرتجلة في سجن ومستشفى

18/12/2009


انطلقت التحضيرات للدورة الخامسة عشرة المقبلة لمهرجان الجاز الذي ينظم سنوياً في حزيران/ يونيو في موقع شالة الأثري على أطراف العاصمة المغربية الرباط. وقبل أقل من شهرين، كان المشرفون على المهرجان في المفوضية الأوروبية بالرباط قد أنهوا تفاصيل آخر جزء في دورة 11-15 حزيران (يونيو) الماضي، وهي صرف عائدات المهرجان في أعمال اجتماعية لفائدة مشروعين لجمعيتين محليتين.


نادية بنسلام
- الرباط، الحياة

تسربت موسيقى الجاز بتدرج بطيء، لكن بثقة إلى الذوق الفني المغربي، ثم وجدت لنفسها موطئ قدم راسخ اليوم في شتى المدن، وأضحت موعداً موسيقياً متميزاً تنتظره شريحة متزايدة من عشاق الموسيقى في مختلف أنواعها. ويعد مهرجان شالة للجاز، وعمره اليوم 14 سنة، أحد تلك المواعيد التي تعلن لسكان العاصمة بداية موسم الصيف على إيقاعات موسيقية أوروبية ومحلية، وتعدهم أيضاً بمتعة الاستماع والتأمل في أجواء خاصة لا يمكن أن توفرها غير منصة في قلب قصبة شالة الأثرية ذات الموقع الاستراتيجي المميز.

من فوق الربوة العالية المشرفة على نهر أبي رقراق، وبين الأسوار التاريخية التي تعود إلى القرن السادس قبل الميلاد يقف مهرجان شالة. موسيقى الجاز الأوروبية ذات الأصول الأميركية الأفريقية أصبحت لها جذور مغربية، بعدما تمازجت مع أنواع معينة من الأنغام المحلية، وعلى رأسها موسيقى «كناوة» ذات الأصول الأفريقية، وموسيقى «الهول» الصحراوية، وموسيقى الملحون الأندلسية المغربية. فهل حن الجاز إلى أصوله الحقيقية كما خلد حنينه منذ انطلق في أميركا مع جحافل الأفارقة الذين رحلوا قسراً عن أوطانهم في إطار تجارة العبيد في القرن السابع عشر؟

الجاز الأوروبي - الموسيقى المغربية
"الجاز الأوروبي - الموسيقى المغربية" شعار مهرجان شالة للجاز، نجده مجسداً في كل دورة من دوراته السنوية. وخلال الدورة الأخيرة، جسده على سبيل المثال الفنانان الأخوان علي وحمزة السويسي، عازفا الآلات الإيقاعية والجهير (الباس) المهتمان بموسيقى الجاز. فقد ألف الأخوان سويسي العديد من الألحان الموسيقية المستوحاة من الموسيقى المغربية. وهناك أيضاً الفنان المغربي توفيق عمار، عازف البيانو. موسيقاه قريبة من الجاز، لكن سمتها المغربية أكثر وضوحاً. بيد أن أقوى لحظات هذا التمازج الفني جمعت بين عبد اللطيف المخزومي، أحد عمالقة موسيقى كناوة، والإسباني المعروف من أصل كوبي، عمر سوسا الذي يمزج بين الجاز الأفريقي والكوبي والموسيقى العالمية.



على مدى خمسة أيام صدحت موسيقى متنوعة من توقيع عشر مجموعات أوروبية من 14 جنسية، وخمس مغربية، وجدت جميعها في موسيقى الجاز مصدر إلهام وإبداع وتآلف لا ينضب، فقدم عناصرها، وعددهم يفوق أربعين فناناً، أفضل إبداعاتهم المستلهمة من تراث بلدانهم الثقافي والموسيقي، ومزج بعض موسيقيي الجاز الأوروبيين وموسيقيين مغاربة، في لقاءات تعاون قصيرة، تجاربهم وأبحاثهم الموسيقية في انصهار تام حاز دوماً على إعجاب الجمهور.

التعارف والتقارب والتفاهم، كلها أشياء ممكنة عبر هذا الحوار الموسيقي الذي "يسمح بصد الأحكام المسبقة والعقول المنغلقة على التنوع، ذلك أنه، فقط، عبر إسقاط حواجز الجهل يمكن لنا الانفتاح على الفضول إزاء الآخر، وعلى الحاجة إلى المعرفة"، يقول السفير برونو ديتوماس، رئيس بعثة الإتحاد الأوروبي في الرباط.

أعمال اجتماعية بفضل فن الجاز
يكمن سحر الموسيقى في اختراقها الحدود أياً كان نوعها، ومهرجان الجاز بهذا المعنى فتح لنفسه قنوات يعبر منها نحو جمهور خاص لم تتح له فرصة القدوم إليه في شالة، أو ربما لن تتاح له يوماً ما تلك الفرصة لظروفه الصعبة، ومن هنا أوجد المهرجان بعده الاجتماعي التضامني. "نريد الوصول إلى قلوب الناس أيضاً"، يقول جيروم كاسيي، المستشار الثقافي في بعثة الإتحاد الأوروبي في الرباط. ودأب المهرجان في السنوات الأخيرة على الانتقال، عبر لقاءات موسيقية مرتجلة وتلقائية، إلى أماكن غير اعتيادية، بعضها لا يخطر على بال: سجن، مستشفى للأمراض النفسية والعقلية، مدرسة للسيرك خاصة بالأطفال ذوي الإحتياجات الخاصة. علاوة على ذلك، صار للمهرجان في السنوات الأخيرة تقليد صرف عائدات دوراته، وإن كانت متواضعة، في مشاريع اجتماعية. هكذا وصلت آثار الموسيقى السحرية بطريق غير مباشرة إلى جمهور من نوع خاص.

على سبيل المثال، صرف جزء من مداخيل دورة 2009 لتحسين استقبال الأشخاص المسنين في مركز اجتماعي قريب من موقع المهرجان، وجزء آخر لتوزيع حقائب وكتب وأدوات مدرسية على 250 طفلاً ينتمون إلى العالم القروي في مدينة تمارة المجاورة.

لم يبخس مدير مركز الأشخاص المسنين، هشام معروف، مساهمة المهرجان، فهي على تواضعها ساهمت في تجهيز مطبخ المركز بمعدات حديثة أثرها واضح على تحسين جودة خدمة إطعام النزلاء، وعددهم 48 شخصاً.

جمعية «أطفال أوفال» لدعم تعليم الأطفال القرويين الذين يعيشون تحت عتبة الفقر، اقتنت بالمساهمة المادية للمهرجان حقائب مدرسية تشمل أدوات وكتب الموسم الدراسي الحالي. وثمن محمد ميسوم، نائب رئيس الجمعية هذا الدعم، وقال إن "هذه المساهمة المنشودة كثيراً من قبل الأهالي خففت نفقات الدخول المدرسي عليهم".

وتسعى المفوضية الأوروبية بالرباط عبر مبادراتها الثقافية إلى دعم أعمال اجتماعية ذات أولوية في إطار التعاون مع المغرب، لأن الثقافة برأي كاسيي "وسيلة للتنمية الاجتماعية، ليس فقط عبر الانفتاح الذي تحدثه على العالم، وإنما أيضاً عبر رسالة الحوار والتفاهم بين الشعوب والتي تعتبر خيطها الناظم"، ومهرجان شالة للجاز شاهد حي على الشراكة الثقافية الأورومتوسطية، ومعلم فني خاص للتواصل وحوار الحضارات، بحسب منظميه وهم بعثة الإتحاد الأوروبي في الرباط مع السفارات والمعاهد الثقافية للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، بشراكة مع وزارة الثقافة وولاية الرباط سلا.

إطلع على موجز المشروع: نشاطات ثقافية محلية: التبادل الثقافي عبر الموسيقي والسينما (المغرب)







تعليقاتكم
سيلفا إسلام، سوريا | 21-01-2010, 09.52h

ما أجمل أن تندمج وتمتزج الأصول الامريكية الافريقية بأصالة وعراقة الأندلس لتنبثق عبر الافق تلك الموسيقى متحررة من كل القيود, تلك الموسيقى التي لم تتغلغل الى آذاننا وقلوبنا فحسب, بل إنها توغلت الى أعماق البؤس والشقاء, أعماق الظلام المنسي, لتكون بمثابة شمعة أمل تضيء وتقول مازال المستقبل أمامنا وشمس الأمل تعدُنا بالفرح . تلك الموسيقى التي لم تقف في وجهها أقفال السجون الباردة بل إنها توغلت كاسرة تلك القضبان الحديدية فهي أقوى من لغة الكلام والمفتاح السري لكل الأقفال. تلك الموسيقى التي هي بمثابة النسيم العليل الذي هبّ على القلوب المسنّة المتعطشة لمن يروي ظمأ عمرٍ انقضى ويعيد اليها الحياة بعد أن كانت بوراً.

حسان، سوريا | 18-01-2010, 14.58h

تقول احدى الاساطير اليونانية ان امراة في شاطئ ما كانت تعزف على قيثارتها الحانا لا يملك الرجال مقاومتها فتقوم بقتلهم او شيء من هذا القبيل هل موسيقى الجاز و سواها من الانشطة الخاصة بالغرب هي نوع من غسل الادمغة او التنويم المغناطيسي تمكن اوروبا من الاستحواذ الثقافي علينا ارجو ان تكون العلاقات الثقافية مع اوروبا علاقات تعاون تقوم على التفاعل بين جهتين التلقي من جهة واحدة فنكون امام "غزو ثقافي" كما هو حال موسيقى الهارد روك الامريكية.

سمير الشريف، الأردن | 16-01-2010, 19.51h

هذه الرسالة والنظرة الحضارية ما أحرانا جميعا أن ننتهجها مع مواطنينا تماما كما تفعل المنظومة الأوروبية مع شعوبها وشعوب العالم. اجمل احساس ان يرى المسن والسجين من يهتم به ويلتف حوله ويشعر بما يعاني. هدف نبيل أن نصبح أخوة على هذا الكوكب يجمعنا حس انساني واحد ورؤية حضارية واحدة.

محمد سمير محمد أبوصلاح ، فلسطين | 12-01-2010, 11.20h

أعتقد أن للموسيقى تأثير كبير على تغيير واقع حياة المرضى و المساجين و أعتقد أيضا أنه اذا تم التعامل مع المساجين و المرضى ببرامج موسيقية منظمة أن ذلك سيؤدي الى تغير كبير في مسيرة حياتهم .أنا كموسيقي مؤمن بأن هذه البرامج اذا ما نظمت بالشكل الصحيح ستغير من واقعنا خاصة في الوطن العربي الذي يعاني أهله من مشاكل لا حصر لها من فقر و حرمان في معظم الأحيان الى فوضى و فراغ لدى أغنياء العرب .أتمنى على المفوضية الأوروبية تنظيم عروض موسيقية في مستشفيات وسجون الضفة الغربية وذلك لما يتعرض له الانسان الفلسطيني من وضع مأساوي داخلي من الانقسام الداخلي الى وضع خارجي أسوأ بوجود الاحتلال الجاثم على أرضنا .

jo3idan، لبنان | 09-01-2010, 22.39h

تجتاح عالمنا اليوم جيوش جرارة تحمل ألوية البؤس والشقاء، تخوض غمار حروب متعددة الجبهات بهدف استرداد غنيمة واحدة وهي نعمة الحياة .وما من لغة أسمى وأجدر من الموسيقى لتنطق بأبجدية الحياة ، فتحاكي كل نبض ٍ وتثقب جدران التمييز بين الناس مقتلعة ً أشواكهم المؤلمة، ذلك على الرغم من تحولها وخاصة في عالمنا العربي الى أداة لذة خلف أبواب الفنادق والقصور البراقة، والى احتكارها من قبل أصحاب الجيوب الملئى والعقول الناقصة. إلا أن المبادارات النبيلة كهذه ، تحرر الموسيقى من قيودها الزائفة ، وتضيئها شعلة ًفي خدمة الانسان وقضاياه المختلفة. فمتى سيعود قطار الموسيقى العربية الى السكة الآمنة؟