مشروع «الحمامات المتوسطية» التقليدية لاحياء تراث يقاوم التغيير السريع

10/01/2010


في إطار برنامج التراث الثقافي الأورومتوسطي الرابع، موّل الاتحاد الأوروبي مشروعاً تنموياً بعنوان "حمامات". يهدف هذا المشروع إلى تعزيز الوعي حول أهمية الحمامات في ثقافة المجتمعات المتوسطية من خلال المؤتمرات وورش العمل...


نادية بنسلام - الرباط، الحياة

حمام «الصفارين» التقليدي العام في مدينة فاس وحمام «أمونة» في العاصمة السورية دمشق، معلمان منفردان لمؤسسة اجتماعية بارزة في المجتمعات الإسلامية وهي الحمام العام، يواجهان قوة التغيرات الاجتماعية وتطور نمط العيش، بأسلوبين مختلفين. يمثل الحمامان التاريخيان حالياً حالتين نموذجيتين للدراسة ضمن مشروع الحمامات المتوسطية (Hammamed 2009-2011)، ضمن برنامج التراث الأورومتوسطي الرابع، لرفع مستوى الوعي بالأدوار الاجتماعية والثقافية العديدة لهذا التراث المادي والمعنوي المشترك في منطقة المتوسط لنقله الى الأجيال المقبلة، كجزء من الذاكرة الجماعية للحضارة الإسلامية والهوية المتوسطية.

تستطيع خديجة قادري، وهي سيدة في الخمسينات من العمر، أن تدهش مخاطبيها بطريقتها المشوقة في الحديث عن الحمام العام التقليدي. إنها قادرة على أن تفتح أمام مستمعيها عوالم جديدة ومثيرة، ليس فقط بفضل خبرتها التي تمتد ثلاثين عاماً في إدارة حمام ضمن ملكيتها في أحد الأحياء الشعبية في العاصمة الرباط، وإنما لثقافتها الواسعة وإلمامها بالجوانب الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية المحيطة بهذه المؤسسة. وشاركت قادري التي أنجزت دراسات كثيرة حول مؤسسة الحمام، زملاء لها من الرباط ومراكش من «جمعية مسيري ومالكي الحمامات» التقليدية والعصرية، في أيام دراسية نظمت في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي حول الحفاظ على التراث الثقافي للحمامات المتوسطية. كان هذا النشاط الذي جمع في فاس خبراء مغاربة وأجانب في مجالات التهيئة الحضرية وعلم الاجتماع وإعادة التأهيل والهندسة المعمارية، جزءاً من برنامج الحمامات المتوسطية، المنبثق من برنامج التراث الأورومتوسطي الرابع. وتبلغ مساهمة الاتحاد الأوروبي فيه نحو مليون يورو، ويضم عدداً من الشركاء، هم: منسق البرنامج معهد أويكدروم بفيينا، والمعهد الفرنسي للشرق الأوسط بدمشق، وجامعة ليفربول، وﻭﻜﺎﻟﺔ ﺍﻟﺘﺨﻔﻴﺽ ﻤﻥ ﺍﻟﻜﺜﺎﻓﺔ ﻭﺇﻨﻘﺎﺫ ﺍﻟﻤﺩﻴﻨﺔ ﺍﻟﻘﺩﻴﻤﺔ ﻟﻔﺎﺱ ADER.

ويستقبل حمام قادري الخاص بالنساء نحو مئة امرأة في اليوم، وتتعدد أسباب إقبال المغربيات على هذا المكان العام، بدءاً بالرغبة المحضة في تنظيف الجسد، إلى الاسترخاء وتخفيف آلام العظام والمفاصل، وتغيير الروتين اليومي، واللقاء وتقصي الأخبار وتبادل الحديث، فضلاً عن الإعداد لمناسبات أساسية في حياة الأسر المغربية مثل الزواج والنفاس والختان والحج وليالي الأعياد وصلاة الجمعة. «بين الجدران المبللة بالبخار والأجساد الراغبة في التجدد، تدار حياة مصغرة للمجتمع المحيط بالحمام»، تقول قادري، مكررة بين فكرة وأخرى، عبارة: «دخول الحمام ليس مثل الخروج منه»، وهي من الأمثال الشعبية الشائعة بين المغاربة، وتستخدم للتعبير عن تغيّر جذري وجوهري يشعر به مرتاد الحمام، لا يقتصر على نظافة الجسد وإنما يشمل أيضاً الاسترخاء والصفاء الذهني.

وبدا أن مجرد حضور مديرة بخبرة قادري واطلاعها دليل واضح على أن برنامج الحمامات المتوسطية وفّق في اختيار نموذج المغرب للفت الانتباه إلى أهمية الحمامات التقليدية العامة اجتماعياً وثقافياً.

واللافت أكثر في البرنامج إشراك نحو 30 طالباً من المدرسة المعمارية من فاس والرباط للتعرف وللمرة الأولى الى هندسة الحمام التقليدي العام، وفن عمارته. وهذه خطوة أكدت أن المشروع يلامس أيضاً نقطة ضعف في مؤسسة قوية بالمغرب هي الحمام العام. فعلى رغم أن نسق الهندسة المعمارية للحمام المغربي مدرج ضمن غالبية مخططات البناء والتجمعات السكنية في المدن، إلا أن برامج تكوين المعماريين منكفئة عن إدراج هذا الفن ضمن برامج التدريس، علماً أن الحمام المغربي له خصوصيات تختلف عن الحمام التركي وإن اشترك معه في تراث حي داخل المدن العتيقة، وهو عادة يشيد بجوار المسجد والمدرسة والسوق والفرن العام، كما هو حال حمام الصفارين.

حمام الصفارين تراث حي
تضمنت الأيام الدراسية التي شاركت فيها قادري، لقاء مع المسؤولين المغاربة والقيمين على برنامج إعادة تأهيل «الصفارين»، وكذلك زيارة للحمام المغلق حالياً بداعي الترميم وإعادة التأهيل بإشراف ﻭﻜﺎﻟﺔ ADER التي تعمل على ترميم مجموعة من الحمامات التاريخية بالمدينة القديمة، ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية التي يقع «الصفارين» ضمن ملكيتها.

نعيمة لهبيل، مستشارة برنامج «حماميد» لدى ADER قالت إن طلاب الهندسة المعمارية أبدوا فضولاً كبيراً للتعرف الى هندسة الصفارين، المتميز بحجارته المنتظمة طولياً، وتدرج توزيع الحرارة الداخلية فيه من قاعة تغيير الملابس (الكلسة)، إلى الحجرة الباردة (البرّاني) والحجرة الدافئة (الوسطى) فالحجرة الساخنة (الداخلي). وشارك الطلاب في وضع سيناريوات لترميم بعض مرافقه، لعل أبرزها علق بذاكرة المستشارة، وهو إضافة حديقة وسط قاعة «الكلسة»، لرفع درجة الاستمتاع بالجلسة. وقالت: «هذا جزء من التوعية المنشودة عبر مشروع الحمامات»، مشيرة إلى أهمية تحسين خدمات الحمام لجذب الناس إليه أكثر.

صحيح أن قادري وزملاءها منشغلون أكثر بمشاكل كلفة التشغيل، لا سيما لجهة الطاقة، نظراً إلى أن الدورة اليومية للحمامات تعد بالآلاف في المغرب، إلا أن منسقة البرنامج هايدي دمريشر من معهد أيكودروم تقول إن المشروع يركز أكثر على «الجانب غير المادي لهذا التراث، لكنه يؤثر في الجانب المادي». وترى هايدي أن جزءاً من مشاكل الحمامات المغربية سببه أنه «لا ينال التقدير المستحق من قبل مستخدميه»، في إشارة إلى سعر الخدمة المتدني وهو دولار ونصف تقريباً. وترى هايدي أنه برأيها يحتاج إلى اهتمام أكبر من قبل السلطات المحلية، لأنه "مؤسسة تسهم في استتباب الأمن الاجتماعي، وتمنح المرأة خصوصاً فرصاً أفضل."

ويركز فريق برنامج الحمامات المتوسطي على تقديم الاقتراحات والخبرة على المشرفين على ترميم «الصفارين»، ومرافقة معماريي الفريق أشغال إعادة التأهيل، والترويج لهذه الأشغال عبر شبكة أوروميد لمزيد من التوسع، والتوعية بالأدوار الاجتماعية الحيوية للحمامات التقليدية العامة.

وبينما يبدو مشروع الحمامات المتوسطية أكثر نجاحاً في الشرق، حيث أدى إلى إعادة الحياة إلى هذه المؤسسة التي كانت معرضة للزوال، وإلى فتح أبواب حمام "أمونة" السوري للنساء وحمامات أخرى، فإن نجاحه في المغرب يبرز على مستوى آخر تماماً. فبالنسبة لهايدي يكمن نجاح البرنامج في المغرب في إفساح المجال أمام «تنظيم أفضل للحمامات عبر اعتماد طرق إدارة جديدة وأنظمة نظافة متماشية مع متطلبات العصر، وتكوين أفضل للعاملين وتحسين ظروف عملهم، وتحسن جودة الحياة واستدامة الحمام»، أي باختصار، تقول قادري: "يوفر المشروع كل ما يجب فعله لنضمن للحمام كقيمة اجتماعية وتراثية، مكانة لائقة اليوم والمستقبل أيضاً."

زيارة الموقع:
"Euromed Heritage"







تعليقاتكم
مهند صالح عبد اللطيف عبد الله، فلسطين | 11-03-2010, 06.21h

إن الإنسان لا شك بحاجة لتراث الماضي وأيضا لتغيرات المستقبل! والمشكلة الكبرى هو الموازنة بين الأمور..!لكي يرتبط الإنسان بالماضي بشكل أفضل كالتراث يحتاج الكثير من المعرفة التي تربطه بالماضي، وطالما أن الجميع لا يمكن أن يكونوا متخصصين بالتراث، فهذا يعني أن المصدر الأساسي للارتباط بالتراث بشكل أفضل هو المعرفة غير المتخصصة أي الكتب الثقافية العامة..! وكما قال لي احد الأخوة المصريين المغتربين في اليابان.. إن الشعب الياباني يعرف عن مصر أكثر من المصريين..! فما هو مصدر هذه المعرفة سوى الكتب الثقافية التي يقرأها الشعب الياباني بنهم..! فهو من أكثر شعوب العالم قراءة للكتب الثقافية غير المتخصصة.!

يحيى، الامارات العربية المتحدة | 04-03-2010, 14.53h

أعتقد أن الحمامات العامة التقليدية فقدت قيمتها من الناحية العملية في الوقت الراهن، و لم تعد تؤدي الدور الذي كانت تقوم به في العصور السابقة، فمعظم هذه الحمامات تحولت إلى أماكن سياحية يرتادها الزوار و بعضها الآخر أهمل،و لذلك فإن على الدول و المنظمات الاهتمام بهذه الأماكن التراثية لأن في ذلك حفظ للتراث الثقافي الإنساني للبشرية جمعاء

سيلفا إسلام، سوريا | 28-02-2010, 10.55h

تلك الحمامات هي محاكاة للهوية المتوسطية وتذكير بعبق الماضي العريق وأصالته, فجدرانها المبللة بالبخار تخبئ بين طياتها قصصاً وحكايا وربما أسرار سردتها الأجيال الماضية لنعود ونسمعها نحن وتسمعها اجيال المستقبل. تلك الزخارف التي تزين الجدران تعود بنا إلى العصر الأموي والروماني لتولّد الصفاء الذهني واسترخاء الأجساد التي أضناها التعب, باختصار انها تخليدٌ للحضارات التاريخية التي ستبقى عالقة في أذهاننا على مر السنين, وصلة الوصل التي تربط ذاكرة الماضي بالحاضر لتكون الشعلة الدائمة التي ستبقى ناقوس الذاكرة ينير الدرب لأجيال المستقبل.

مهند صالح عبد اللطيف عبد الله، فلسطين | 25-02-2010, 23.58h

إن الإنسان لا شك بحاجة لتراث الماضي وأيضا لتغيرات المستقبل! والمشكلة الكبرى هو الموازنة بين الأمور! لكي يرتبط الإنسان بالماضي بشكل أفضل كالتراث يحتاج الكثير من المعرفة التي تربطه بالماضي، وطالما ان الجميع لا يمكن أن يكونوا متخصصين بالتراث، فهذا يعني أن المصدر الأساسي للارتباط بالتراث بشكل افضل هو المعرفة غير المتخصصة أي الكتب الثقافية العامة! وكما قال لي احد الأخوة المصريين المغتربين في اليابان، إن الشعب الياباني يعرف عن مصر أكثر من المصريين! فما هو مصدر هذه المعرفة سوى الكتب الثقافية التي يقرأها الشعب الياباني عنهم! فهو من أكثر شعوب العالم قراءة للكتب الثقافية غير المتخصصة!

حازم شهوان، الامارات العربية المتحدة | 23-02-2010, 07.03h

من منا لايشعر بالحنين إلى الأيام الخوالي، والماضي بتاريخه العبق، وثرائه الثقافي والمعماري المتفرد، ولكن الغريب حقاً أن يسعى الإتحاد الأوروبي، وليست الدول العربية المتوسطية المعنية، بتنفيذ البرامج الخاصة بالحفاظ على ما تبقى من أطلال هذا الماضي بسحره وخصوصيته، نعم هي مبادرة أوروبية نثمنها وندعمها، ولكني أجزم انها لن تكلل بالنجاح والإستمرارية، ما لم يصاحبها خطوات عملية للإرتقاء بالوعي الفكري والثقافي، وترقية الحس الفني والجمالي، وتشريع القوانين الداخلية المنظمة لحماية مثل هذه الحمامات والشواهد التراثية التاريخية بالبلدان المتوسطية، وقبل هذا وذاك غرس القناعة لدى النخبة الحاكمة، ومسؤولي وقيادات تلك البلدان بأهمية هذا التراث الإنساني المشترك.