صعوبة إنطلاق "المجتمع المدني" في سوريا



رغم الانفتاح النسبي الذي شهده النظام السوري لجهة المجتمع المدني على أثر وصول الرئيس بشّار الأسد إلى الحكم في العام 2000، إلا أنّ عقدة الحرّيات في البلاد لم تحلّ. فلا تزال المنظمات غير الحكومية تسعى إلى المطالبة بحقوقها المهضومة رغم تزمّت الدولة حيالها.

 

حسين العودات، كاتب سوري

يمتنع النظام السياسي السوري عن إعطاء الرّخص إلى منظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية منذ أربعين عاماً، باستثناء تلك التي تتعلّق بجمعيات خيريّة محض. وفي الأحوال كافة، لا يسمح هذا النظام بتأسيس جمعية أهلية أو منظمة مجتمع مدني مهما كانت أهدافها وبرامجها، بما في ذلك الأهداف الثقافية أو التعاونية أو غيرها، إلا بموافقة مسبقة من السلطات الأمنية. لذلك، لم يتجاوز عدد الجمعيات الأهلية في سوريا بكاملها خمسمئة جمعية معظمها خيرية. أما المنظمات ذات الطابع الثقافي أو الاجتماعي، فلا تُمنح رخصة عمل إلا في حالات استثنائية نادرة.

واستمر الأمر على هذا النحو حتى العام 2000 حين تسلم الرئيس بشّار الأسد السلطة، وتحدّث في خطاب القسم عن التعدّدية والرأي الآخر وتنشيط المجتمع. فبدا هذا التغيير وكأنه فرصة نادرة شجّعت على قيام منظمات وجمعيات للمجتمع المدني في سوريا. فتكاثرت هذه الأخيرة بشكل لم تشهده البلاد من قبل، حتى أنّها لم تنتظر موافقات الجهات ذات الصلة للسماح لها بالعمل رسمياً وإعطائها الرُخص.

أحدثت هذه المنظّمات والجمعيات والمنتديات حركة اجتماعية حقيقيّة في سوريا، وبدا وكأن المجتمع استعاد أنفاسه مع هذه المنظمات والجمعيات غير الحكومية التي نشطت للمرّة الأولى منذ أربعة عقود. إلا أنّ هذا ما سبب الخشية لدى السلطة السياسية حيث أنها لم تعتد على أن يبادر المجتمع ويقيم منظماته التي تتولى تنشيط حركته ومشاركته في الحياة العامة. فعمدت هذه السلطة على إغلاق المنتديات، ورفضت الطلبات المقدّمة إلى وزارة الشؤون الاجتماعية كلّها والتي كانت تنتظر ترخيص اللّجان والمنظّمات، وحاولت خنق هذه النشاطات كلّها.

إلا أنّ النشطاء في هذا المجال حاولوا إيجاد بديل، فقاموا بتأسيس لجان إحياء المجتمع المدني وحدّدوا مهمّتها بتنشيط اهتمام المجتمع بقضاياه الاجتماعية والثقافية والمطلبية والأهلية وغيرها.

ما زالت السلطة السياسية تنظر إلى هذه الجمعيات نظرة ريبة وتعتبرها جزءاً من المعارضة السياسية وتتعامل معها كما تتعامل مع الأحزاب غير المرخّص لها، وترى أن نشاطاتها ذات أهداف سياسية بما في ذلك نشاطاتها الاجتماعية والثقافية. وقد اعتقلت أخيراً أعضاء مجلس إدارة منتدى الأتاسي للحوار الديموقراطي وعلّقت أعمال المنتدى. غير أنّ الناشطين في هذه اللّجان والمنظّمات ما زالوا يسعون إلى توسيع عملهم ونشاطهم وتأسيس لجان جديدة، رغم الصعوبات التي يواجهونها من ملاحقة السلطة لهم وخوف أبناء المجتمع من الانخراط في نشاطاتهم.


(ملفات يوروميد 2005)







تعليقاتكم
علاء، سوريا | 22-01-2010, 01.17h

ربما قد تكون سوريا قد وضعت الحدود على بعض المنظمات (الثقافية) لأن هذه المنظمات قد تدخل إلى البلاد أشخاص غير معروفين الهوية و غير معروفين الأهداف لأنه حتى الآن لم يكن هناك أي منظمة عربية بفكر إنسان عربي.. ودمت بخير

على أحمد سامى، مصر | 15-07-2009, 11.52h

قال أحد الأئمة الأربع "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب". وكانت الشورى (الديمقراطية) أولى مبادئ الدولة فى الإسلام. ومن الغريب حقاً ظهور هذه الأنظمة الحاكمة التى ترى فى كل من يخالفها الرأي فى أي من الأمور خطر داهم على شعوبها - إذا إفترضنا حسن النوايا من منطلق إعتقادهم أن رايهم هو الصواب - فالمنطق يقول إن كنت تعتقد أن سياساتك هى الأصواب فلتعمل على توعية الناس بحيثياتها بدلاً من قهر الرأي الأخر ومحاصرة الحريات ومحاولة فرض الرأي على شعوبهم، إلا أنه يستحيل إجبار أحد على تغيير فكره بهذه الوسائل.