سورية تنفّذ مشروع الجودة بتمويل من الاتحاد الأوروبي

03/08/2009


مشروع "تعزيز الإدارة والإمكانات والبنية التحتية للجودة في سورية" يعيد تقويم البنية التحتية لعناصر الجودة في المؤسسات الصناعية والخدمية... تسهيلا لانخراط سورية بالاسواق العالمية.


سمر أزمشلي - دمشق، الحياة

بعدما قرّرت سورية انفتاحاً اقتصادياً على العالم بعد سنوات طويلة من الاقتصاد المركزي، وتوسيع خياراتها الاقتصادية شرقاً وغرباً، وتسعى للانضمام إلى «منظمة التجارة العالمية»، التي تضم ممثلين عن 135 دولة تسيطر على 90 في المئة من التجارة الدولية، وباتت قريبة من توقيع اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى دخولها «منظمة التجارة الحرة العربية الكبرى» بداية 1998، فهي بالتأكيد تواجه تحديات كبيرة نظراً لكون شركاتها ومصانعها تعودت على الحماية لسنوات طويلة في مواجهة الشركات الكبرى والمتعددة الجنسية التي تسعى إلى تأكيد احتكارها للأسواق العالمية.

ولما كانت الإحصاءات الرسمية لوزارة الاقتصاد تشير الى معدلات كبيرة في مخالفات المواصفات والمقاييس بلغت العام الماضي 45 في المئة للمنتجات غير الغذائية و29 في المئة لمنتجات الغذاء في مدينة حلب معقل الصناعة السورية، إضافة الى ما ينشر أحياناً عن صفقات ألغيت أو تعاملات تجارية أساءت إلى سمعة المنتج السوري، فإنه تصبح الجودة أكثر القضايا إلحاحاً أمام كل مؤسسة وطنية، صناعية كانت أو خدمية، لتنجح في إنتاج سلع أو تقديم خدمات تلبي حاجات الناس وتوقعاتهم، بأسعار مناسبة وقادرة على المنافسة. من هنا تأتي أهمية «مشروع تعزيز الإدارة والإمكانات والبنية التحتية للجودة في سورية» الذي أطلقه وزير الصناعة السوري فؤاد الجوني لـ «دعم جهود سورية في الوصول إلى مستوى مرتفع لجودة المنتج السوري ما يعزز قدرته التنافسية ويسهل انسيابه إلى الأسواق العالمية». ويعتبر المشروع، الذي حضّر له منذ سنوات، أكبر مشاريع الاتحاد الأوروبي، وتتجاوز تكلفته 12 مليون يورو، ويتضمن إعادة تقويم البنية التحتية لعناصر الجودة كلها وهي المواصفات والمقاييس، والاعتمادية والتفتيش ومراقبة السوق واعتماد المختبرات والأشخاص والكوادر التي تعمل على ذلك.

ألاهداف
ويهدف المشروع الذي بدأ العمل في أيار (مايو) العام الماضي ويستمر لأربع سنوات، الى مقاربة القوانين والتشريعات الفنية ومواءمة البنية التحتية للجودة في مجال المواصفات والقياس والاختبار وتقويم المطابقة ومراقبة السوق وهيئة الاعتماد وتطبيق ذلك على قطاعات صناعية مختارة بما ينسجم والمتطلبات والقواعد الدولية. وقال الجوني: «يمكّن المشروع سورية من تحقيق متطلبات اتفاق الشراكة السورية - الأوروبية ويساعدها للانضمام الى «منظمة التجارة العالمية» والإفادة ما أمكن من الاتفاقات الثنائية والإقليمية الموقعة مع دول الشقيقة والصديقة».

وأمل الجوني من خلال المشروع في درس الواقع، واعتبار ما أنجزته الوزارة لا سيما مضمون وثيقة «السياسة الوطنية للجودة»، الهادف إلى تحقيق الدعائم المستهدفة للمنظومة الوطنية للجودة. علماً أن الحكومة السورية التزمت في الوثيقة الوطنية بـ «تعزيز التشريعات الوطنية الخاصة بالاعتماد وتطويرها ومنح شهادات المطابقة بهدف تسهيل التجارة وزيادة الصادرات ورفع وتيرة التنمية الاقتصادية وحماية البيئة وصحة المستهلك وسلامته». وجاء في الوثيقة «ان سورية تتطلع خلال العقدين المقبلين إلى توفير البيئة المساندة للمجتمع السوري، في أن يزدهر اقتصادياً واجتماعياً وتقنياً، وأن يتم خلال السنوات الخمس المقبلة إيجاد منظومة وطنية للجودة فعالة تحقق المتطلبات الدولية».

عملياً ترتكز فلسفة الشركات السورية على «تصنيع منتجات وتقديم خدمات في شكل أسرع وأرخص، ثم السعي إلى تصريفها في الأسواق، وتقديم خدمات للمنتجات بعد بيعها من أجل إصلاح العيوب الظاهرة فيها». ويقول مدير مشروع تعزيز الجودة جورجس غضبان: «إن المنتجات السورية تواجه اليوم زبوناً عالمياً يتطلب منا تقديم منتج بسعر عالمي منافس وجودة ووثيقة مناسبة ومنافسة وسرعة في تلبية الطلب»، ولفت إلى «أن استراتيجية المؤسسة المبنية على تقديم سعر أدنى على حساب الجودة لم تعد تنفع لأن السوق العالمية تفرض على المؤسسة الانتقال إلى مفهوم جديد ديناميكي للجودة يقضي بالتوازن بين التصميم والإنتاج والتسعير وزمن التوريد بما يلبي متطلبات الزبون العالمي المتغير باستمرار».

وأشار الى ان المشروع يأتي في سياق المساعدة الفنية من الاتحاد الأوروبي لدعم بيت الجودة الوطني، من أجل تحسين القدرة التنافسية للمنتج السوري والدخول في الاتفاقات الإقليمية، معتبراً «أن تأسيس أنظمة فعالة لإدارة الجودة يرتكز على تحقيق متطلبات المواصفة القياسية الدولية «أيزو 9001 - 2000» في المؤسسات وان ذلك مطلب لا بد من إنجازه لتحسين الفاعلية والمردود فيها، باعتبار هذه المواصفة أداة مناسبة لنظام الإدارة في المؤسسة، يساعدها على الاستفادة ما أمكن من مشاريع الاتحاد الأوروبي المنفذة حالياً».

ابرز العقبات: غياب منهجية واضحة
وأوضح غضبان ان المهمات الأساسية لمشروع الجودة، والذي ينفذ بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي، تركّز على دعم تطوير البنية التحتية للجودة في سورية ما يسمح بدخول المنتجات السورية الى الأسواق الأجنبية، بعد تأمين مكونات البنية التحتية للجودة، موثوقاً بها وملبية للمتطلبات المقبولة عالمياً. فالحالة الراهنة للبنية التحتية للجودة في سورية تتسم بمواصفات إلزامية وبعدم وجود مجلس اعتماد وطني وسلسلة للقياس إلى وحدات قياس دولية وغياب جهات مانحة لشهادات المطابقة واعتماد المختبرات من جهات معتمدة دولياً وضعف المراقبة الإلزامية على المنتج أثناء الإنتاج وبعده.

ويلخص مختصون العقبات التي تحول دون تطبيق أنظمة إدارة الجودة في سورية، بمحدوديتها واعتمادها على مبادرات فردية خصوصاً أن الشركات العائلية تغلب على الاقتصاد السوري، وتهدف إلى مفهوم الربح السريع، ما يتعارض مع إدخال أنظمة إدارة الجودة الفعالة مثل «آيزو 9000» وإدارة الجودة الشاملة، لاعتماد هذه النظم على المشاركة الجماعية، والتخطيط البعيد المدى، والصدق في المعاملة لكسب الزبون الدائم.

وتتمثل العقبات في غياب منهجية واضحة لمستقبل الصناعة السورية وضعف الثقافة العامة ومحدودية الاطلاع على التطور العلمي التقاني العالمي والنظرة الخاطئة إلى المواصفات في شكل عام والمواصفة «آيزو 9000» في شكل خاص، بحيث اعتبرها صناعيون في مرحلة بأنها «جواز سفر» للمرور الى الخارج ما دفع كثيرين إلى الاعتماد على جهات غير موثوقة دولياً للحصول عليها من دون إجراء تطويري فعلي في المؤسسة وبرامجها بهدف التوفير وتحقيق ربح سريع لدخول الأسواق العالمية. ويلعب الالتفاف على النظام الضريبي والحصول على أرباح أكثر تعارضاً لما يطرحه نظام الجودة وضعف حالة المواطنين المادية والكلفة المرتفعة مقارنة مع المردودية المباشرة.

اعادة هيكلة هيئة المواصفات والمقاييس
وتشمل التوجهات العامة للمشروع، دعم «المجلس الوطني للجودة» و «الهيئة الناظمة للجودة» والمساعدة في تنظيم المؤسستين وعملهما بعد صدور مرسومي تشكيلهما، ووضع برنامج تنفيذي للسياسة الوطنية للجودة والمساعدة في تنفيذه ووضع التشريعات الفنية من خلال تحديث التشريعات المتعلقة بالمنتجات. وحصر المشروع عمله في ست قطاعات هي الآلات والأجهزة الكهربائية ومنتجات البناء والغذاء والنسيج والمنظفات، واعتبرها قطاعات ذات أولوية على ان يتلاءم تحديث التشريعات وتطويرها مع المتطلبات العالمية بما فيها التشريعات الاوروبية.

وأكد غضبان ان التحديث في السياسات يشمل تقويم المطابقة والاعتماد والقياس والتقييس والتشريعات الفنية. وأشار إلى أن المشروع اعتبر إعادة هيكلة «هيئة المواصفات والمقاييس» حجر الأساس لتطوير البنية التحتية للجودة، نظراً إلى أن الهيئة تقوم حالياً بمهام التشريع والاختبار وتقويم المطابقة والتقييس والقياس مجتمعة. وأضاف انه في نهاية عملية إعادة الهيكلة ستصبح لسورية هيئة وطنية للمواصفات تؤسس عملها وتنظمه وفقاً لمبادئ منظمة التجارة والاتحاد الأوروبي، وتصدر مواصفات اختيارية يتم تمييزها بوضوح عن التشريعات الفنية الإلزامية.

وشدّد غضبان على انه لا يمكن لبرنامج الجودة ان يغطي كل احتياجات البنية التحتية للجودة في سورية، لكنه يعتبر حجر الزاوية لتطوير نظام الجودة فيها وفق الممارسات العالمية. ودعا إلى زيادة الوعي بضرورات المشروع وفوائده على المستويات كافة وضرورة التزام الجهات المعنية بالمهمات والمسؤوليات الموكلة إليها وفق خطة البرنامج.







تعليقاتكم
احمد غزال، سوريا | 22-02-2010, 19.27h

لقد دخلت سوريا العالم منذ القدم وليس فقط الاتحاد الأوروبي بسبب جودة بضاعتها وحنكة تجارها، واذا جار الزمن عليها ومرت عليها سنون من التخلف أدت الى تراجع هذه المكانة. فالآن حان وقت العودة و مساعدة الاتحاد الأوروبي لها ستكون لمصلحتها دون شك

ياسر مازن البني، سوريا | 21-11-2009, 03.24h

الحقيقة ان سوريا تحتوي العديد من مقومات الدخول لاتفاقية التجارة الاوروبية من حيث المنتجات السورية والمعالم السياحة وكل ما ترغب فيه جميع الشركات الاوروبية من اسباب للولوج لسوريا للاستثمار بها. والشيء الذي تجهله منظمة الاتحاد الاوروبي ان دخول سورية ضمن الاتفاقية يصب لمصلحتها لكثرة المواد الخام الموجودة في سورية سواء من الناحية الانتاجية او الجغرافية او من ناحية الموارد البشرية. فالكل يعلم ان سورية تمتلك اكبر قدر موجود من المواهب البشرية في الوطن العربي. ولكن للاسف بسبب الوضع السياسي لسوريا وعدد اللاجئيين الكبير الموجود فيها لم تكن سورية بالمستوى المعيشي المطلوب الذي يعزز ثقة الاتحاد الاوروبي فيها. فعلى سورية ان تحسن المستوى المعيشي لمواطنيها قبل اللاجئين الموجودين فيها وحينها تتمكن من الدخول لهذه الاتفاقية. ولكن ما يجهله الجميع فانه اذا ما تم تحسين المستوى المعيشي في سورية والقضاء على ظاهرة الرشوة فلا داعي من توقيع الاتفاقية لانه حينها ستمتلك سورية اقوى اقتصاد عالمي

جوزيف مخائيل، سوريا | 20-10-2009, 13.21h

للاتحاد الأوروبي محاولات مشكورة لتعزيز التعاون مع سورية ... رغم العقبات التي تتذرع بها الحكومة السورية تارة باسم خصوصية سورية وتارة أخرى باستقلال القرار الاقتصادي وغيره من حجج واهية ... الآن ومع تعزيز التعاون مع تركيا والغاء العمل بنظام التأشيرات بين البلدين ... تصبح أوروبا جارتنا واقعاً وفعلاً ... ونعتقد أن جهود الاتحاد الأوروبي يجب أن تبذل في مستوى رفع كفاءة الخدمات ومفهوم الخدمة العامة في مختلف وزارات الدولة السورية، ومساعدة الحكومة على وضع برامج فعالة في مكافحة الفساد على كافة المستويات، وبرامج تطوير الادارة كمؤهلات وكفاءات في قيادة الاقتصاد السوري، بحيث تصبح الخدمة المدنية على مستوى من الشفافية والمسؤلية والقدرة على تطوير اقتصاد البلاد...

سليمان الكيال ، سوريا | 16-10-2009, 06.28h

هي حقيقة لا محال ان تدخل سوريا في اتفاق الشراكة الاوروبية. هي هيكيلية اقتصادية جديدة ونظرة مستقبلية للسوق السورية. معوقات كثيرة يحاول الفريق الاقتصادي حلها بدءا من المصانع المنتهية حياتها والعمل المتواصل على استعادة الروح فيهامن تامين مستلزماتها من مواد وخامات اولية مرورا بمعامل الانتاج والعمل على تحديثها وتطويرها لتقدم للعالم افضل المنتجات ووقوفا عند اساس السوق السورية وتقويم بنيانها التحتية. هي الجودة عندما ترى القوانين التي تخص السوق السورية تتعدل وتتغير للتوافق مع المشاريع التي انفتحت على السوق السورية. يد بيد يتقدم الاقتصاد السوري يرافقه ويعاونه الاتحاد الاوروبي هي ما اسميها في نظري الجودة الحقيقية للسوق المشتركة السورية الاوربية. هي ثمرة طبيعية لشجرة اوروبية ارضها سورية.

مولاي محمد اسماعيلي ، المغرب | 04-09-2009, 05.03h

مهم ما قامت به سوريا عندما قامت بتبني هذا المشروع لانه مليء بالفوائد لها وعلى رأس هذه الفوائد تحسين الجودة والدخول إلى عالم آخر يضع مقاييس مهمة للجودة، لان الجودة في هذا الزمان هي كل شيء، فقد أصبحت كل المنتوجات الصناعية منها والغذائية تعتمد على الجودة، ومع العولمة التي يشهدها العالم وسرعة تنقل المعلومة فإن دفن الرأس في التراب والإستمرار في الإعتماد على معايير قديمة في قياس الجودة سيكون أثر مدمر على الإقتصاد السوري وجميع الإقتصادات التي تعتمد وسائل بدائية لقياس جودة منتوجاتها. المهم في كل هذا ان يعد جيدا للبرنامج وتدليل ما امكن العواقب التي تقف في طريه وجعل كل الطاقات الواعدة البشرية وغير البشرية رهن إشارته خاصة وان الجانب الأصعب الذي هو التمويل تكفل به الإتحاد الأوروبي.