تونس: تلميذ الشراكة النجيب؟



تتراوح العلاقة بين تونس والاتحاد الأوروبي اليوم بين المعجزة والسراب: هل يمكن اعتبار هذه الشراكة نموذجاً يحتذى؟ الآراء متباينة حول هذا الموضوع...


اوليفيه ناستي، صحافي

أملت اتفاقية الشراكة التزامات مهمّة: لقد حصلت تونس على تعهدٍ بالحصول منذ العام 1995 على أكثر من مليار يورو مقابل إصلاحات بنيوية وانفتاح تجاري واسع. ووفقا ل"وصفة" التحرر الاقتصادي، تمكن "التلميذ التونسي النجيب" من تحقيق تقدم ملحوظ في ما يتعلق بخفض مستويات الفقر وبتحقيق نمو اقتصادي. وتجلّت "المعجزة" في عدد من الأرقام: معدل نمو نسبته بين أربعة وخمسة في المئة منذ عشرة أعوام، وارتفاع متوسط الأعمار إلى 72 عاما وانخفاض نسبة الفقر إلى أربعة في المئة.

المستفيد الرئيسي من مساعدات "ميدا"
من الجانب الأوروبي، أضحت تونس، الدولة الأولى الموقعة على إعلان برشلونة، والمستفيد الرئيسي من مساعدات "ميدا": ما يُقارب ربع المساعدات تخصص لها فيما لا يمثل عدد سكانها إلا أربعة في المئة من سكان الدول المعنية. هذا الدعم المالي، الذي سبق إطلاق الشراكة، هو نتيجة تعاط واع من قبل السلطات التونسية التي تعطي الأولوية دوماً لتحقيق أهداف مالية واجتماعية جليّة للخارج. ويحظى النظام بمصداقية كبيرة لدرجة أنه يستحوذ على 17 في المئة من الاستثمارات المخصصة للدول العربية.

ولكن، تستخدم تونس هذه الصورة المحبوكة بعناية لمصلحة إبقاء يدها طليقة على الصعيد الداخلي. فهي تستمر في التمتع بدعم سياسي ثابت حتّى في ظلّ الخرق العلني لحقوق الإنسان. ليس من بين دول الشراكة من يملك سجلاً نموذجياً في هذا المضمار، إلا أن تونس واحدة من الدول الممسوكة بقوة. فبحجة مكافحة الأصولية، والتلويح بنسب الهجرة، وبالظروف الإقليمية المضطربة، تمكنت هذه الدولة من المحافظة على الاستقرار على الرغم من الظروف السائدة. وحتى الآن لا يمكن قياس حجم الإضطراب الاجتماعي إلا من خلال بعض المؤشرات مثل نسبة بطالة الشباب التي تقدر بنحو أربعين في المئة، والنسبة المنخفضة لمشاركة النساء المتخرجات في النشاط الاقتصادي، وزيادة التباينات الاجتماعية والإقليمية. يضاف إلى كل ذلك الشعور بوجود فساد مستفحل ينزع تدريجا الشرعية عن الإصلاحات المرافقة للمساعدات الأوروبية، في حين أن الشراكة تهدف إلى تعزيز الشفافية ونشر اقتصاد السوق.

هل تونس مجرد "سراب" يوحي باستقرار اقتصادي جاء على حساب دخول فعلي في الحداثة؟ ان الاكتفاء بتحليل نتائج الشراكة استناداً إلى مجموع المعطيات الاقتصادية يؤدي حكماً إلى جعل تونس نموذجاً يجب اتباعه، ولكن آثارها العكسية قوية لدرجة تحمل على التساؤل عمّا إذا كانت أوروبا ليست مسؤولة جزئياً عن توجهات الدولة التونسية هذه.

تصويب الممارسة الديموقراطية
تسعى أوروبا من دون كلل وملل إلى الحفاظ على موقع في هذا الجزء من العالم في مواجهة النشاط المتنامي للسياسة الأميركية في المنطقة، إنّما لا تقدم سوى أفكار عامة ورنّانة حول المسيرة نحو الديموقراطية من دون أن تكون المساعدات المالية مشروطة سياسياً.

في إطار سياسة الجوار الجديدة، تبدو أوروبا عازمة على تصويب الممارسة الديموقراطية في تونس. ولن تؤدّي المطالب الأوروبية الجديدة إلى إعادة النظر في الإصلاحات الاقتصادية المتخذة. بل على العكس، فإن الرؤية الجديدة للشراكة مع دول جنوبي وشرقي المتوسط تفرض على الدول الموقعة الالتزام باحترام القيم الأوروبية في كل الميادين من أجل الاستفادة من الدعم الذي تقدمه الدول الخمس والعشرون للبرامج الإصلاحيّة.

(ملفات يوروميد 2005)
 

الخلل في القطاع المالي التونسي
 

عرف النظام المالي والمصرفي التونسي تحسّنا ملحوظا بعد الإنفتاح على أوروبا وتحرير تدريجي لأسعار الصرف، إلاّ أنّ إعادة الهيكلة المصرفيّة باتت اليوم مجمّدة. فالنظام المصرفي المجزّء والذي لم يحدث على قدر كاف، يُعاني من الطابع العائلي أو من خضوعه للقطاع العام، ومن ضعف في التنويع في الأدوات الماليّة، ومن نقص في الإحتراف على صعيد إدارة المخاطر، ومن نسب استثمار منخفضة.

ولا توظّف الأموال الأوروبيّة لحلّ لبّ المشكلة، بل تسعى إلى الحدّ من أبرز نتائجها. على سبيل المثال، يساهم الإتحاد الأوروبي، من خلال دعمه للخصخصة، في تعزيز سوق البورصة التونسي اليافع (8% من إجمالي الناتج المحلّي). إلا أنّ عمله يفتقر إلى خطوات ملموسة على صعيد قواعد الشفافية الواجب فرضها على الشركات المدرجة في البورصة. نشير أخيرًا إلى غياب الأفراد والمؤسّسات المستثمرة (مصارف الأعمال) وذلك بسبب عدم تأمين بيئة ماليّة سليمة.







تعليقاتكم
Sellami Riadh، تونس | 23-02-2010, 11.53h

لا أحد ينكر أن أحد أهم أسباب النهظة الإقتصادية التي عرفتها البلاد في السنوات الأخيرة هي نتاج للدعم الأوروبي لتونس في شتى المجالات. هذا الدعم لم يكن لينجح بهذه الصيغة لو لم يوفر النظام الحاكم في تونس سبل النجاح له. وأهم ما وفرته تونس لشراكتها مع دول أوروبا هو المناخ الداخلي الآمن. أموال أوروبا كان يمكن لها أن تذهب بصفة غير مباشرة وغير إرادية في تمويل الجماعات الإرهابية لو لم تقم تونس من الحد من تهديداتهم لأمنها وإستقرارها. نجاح الشراكة التونسية- الأوروبية ليس إلا نجاح للمقاربة الإقتصادية –الأمنية.