تونس تستعين بالاتحاد الأوروبي لمراقبة تلوث مصادر المياه

16/01/2010


بفضل دعم الإتحاد الأوروبي، نجحت تونس بتنفيذ خطة بيئية فاعلة للحد من تلوث مصادر المياه في مناطق عدة من البلاد.


سميرة الصدفي - تونس، الحياة

مع تزايد سكان تونس الذين يتجاوزون 10 ملايين نسمة، اشتد الضغط على مصادر المياه. ويكفي أن يعبر المرء وادي مجردة، أكبر الأودية في تونس، الذي يجتاز البلد من الحدود الغربية (مع الجزائر) إلى الساحل المتوسطي شرقاً، ليكتشف عدد المدن والبلدات التي تُلقي قسماً كبيراً من نفاياتها في هذا الوادي. وساعدت أجهزة حماية البيئة في الحد من دور المصانع التي كانت أكبر مُلوث لمجرى الوادي، الذي يصب في البحر في فصل الشتاء ناقلاً معه مواد مُلوثة كثيرة.

لكن ظاهرة تلويث المياه لا تقتصر على وادي «مجردة»، وإنما تشمل مناطق عدة في تونس، ما يجعل الإمكانات الذاتية غير قادرة على إحكام الرقابة على مصادر التلويث، ما دفع الحكم في تونس إلى الاستعانة بالاتحاد الأوروبي لتقديم الدعم المادي والخبرة الفنية في هذا المجال.

وأطلقت «الوكالة الوطنية لحماية البيئة» في 2007 خطة للتنسيق بين الهيئات المعنية بمراقبة تلوث المياه لتعزيز دورها وتطوير الوسائل التي تستخدمها في عمليات المراقبة. واستطاعت أن تقتني في 2008 مختبراً متنقلاً لمراقبة درجة تلوث المياه في المناطق الشمالية، إضافة إلى مختبر ثابت رُكِّز في متنزه «المروج» جنوب العاصمة تونس. وبات المختبران يشكلان القاعدة اللوجستية الرئيسة لعمليات الرقابة، إلا أن البلد في حاجة إلى مختبرين إضافيين لضمان تغطية مناطق الوسط والجنوب. واعتمد التونسيون على مساعدة الاتحاد الأوروبي لشراء المختبرين وضمان تدريب الكوادر المحلية على إدارة عمليات التحليل في إطار خطة أطلق عليها التونسيون اسم «شبكة مراقبة تلوث المياه» أو COPEAUباللاتينية.

وكان الاتحاد أطلق عام 2000 الخطة الأوروبية Life Pays Tiers وترمي إلى تقديم الدعم للمؤسسات الإدارية العاملة في مجال البيئة في البلدان المطلة على البحرين المتوسط والبلطيق، أي الجوار المباشر لأوروبا. وتهدف الخطة أيضاً إلى تطوير المؤسسات وإعطاء دفعة لبرامج حماية البيئة في تلك البلدان. ووافقت المفوضية الأوروبية في 2006 على تمويل 16 مشروعاً بيئياً جديداً في البلدان المعنية، باستثمارات إجمالية بنحو 10 ملايين يورو، منها 60 في المئة بتمويل من الاتحاد الأوروبي. وركزت المشاريع على مسائل بيئية جوهرية من بينها إدارة النفايات والوقاية من التلوث المناخي ومكافحته وتطوير مراكز السياحة المستدامة، إضافة إلى توحيد التشريعات البيئية في البلدان المطلة على المتوسط والبلطيق وتقريبها من المعايير الأوروبية في مجال حماية البيئة. وفي إطار الخطة رصد الاتحاد الأوروبي تمويلات بلغت 38 مليون يورو للفترة من 2000 إلى 2004 و40.3 مليون يورو للفترة 2005 - 2006.

إدارة جيدة لمصادر المياه
وكانت تونس وبلدان الضفة الجنوبية للمتوسط، المستفيدة الأساسية من تلك الخطط. وأوضح المسؤول عن مشروع إحكام الرقابة على مصادر تلوث المياه في تونس محمد بن حسين لـ «الحياة»، أن الخطة تندرج في إطار الأهداف التنموية التي وُضعت لضمان إدارة جيدة لمصادر المياه وحمايتها من التلوث، ومن المقرر أن يُستكمل تنفيذها في حزيران (يونيو) المقبل. وقدرت خبيرة البيئة لدى بعثة الاتحاد الأوروبي في تونس جوليا بوسكوزي قيمة الاستثمارات التي رصدت للمـــشروع بـ 790593 يورو على مدى ثلاث سنوات بينها 448620 يورو قدمها الاتحاد الأوروبي في شكل هبة لـ «الوكالة الوطنية لحماية البيئة». وأتت المساهمات الباقية من الحكومة التونسية (332 ألف يورو) ومركز البحوث «أكوابول» في جامعة لياج البلجيكية.

وأتاح المشروع أولاً وضع دليل لإجراءات مراقبة تلوث المياه في تونس، بعد موافقة الأطراف المعنيين بمصادر المياه عليه، وتجهيز البلد ثانياً بمختبري تحليل متنقلين حديثين يُتيحان الحصول على نتائج فورية. وقال أحد الكوادر المتخصص في تحليل المياه التقته «الحياة» في سد سيدي سالم على وادي مجردة، إن عمليات التحليل والرقابة كانت تتم في الماضي في شكل منفصل ومن دون تنسيق بين الهيئات القائمة بالأعمال وليس بالرجوع إلى منهج واحد. أما اليوم فبات الجميع يحتكم إلى مرجعية مشتركة ومعايير موحدة. وأفاد بأن زملاءه من موظفي «الوكالة الوطنية لحماية البيئة» ومؤسسات محلية أخرى شاركوا في دورات تدريبية في معاهد بحوث وهيئات بلجيكية متخصصة بمراقبة التلوث. وقال إن دورات التدريب أتاحت تبادل التجارب مع خبراء في مراقبة تلوث المياه من مقاطعة «والوني» البلجيكية.

مراقبة المصبات
واعتماداً على الإمكانات البشرية والعلمية الجديدة التي حصلت عليها «الوكالة الوطنية لحماية البيئة»، باشرت بمراقبة نوعية المياه في المصبات والأودية والسدود، ووزعت المختبرات المتنقلة الثلاثة على مناطق الشمال والوسط والجنوب. وتمكنت من مراقبة 33 منطقة بين مصبات وأودية وسدود بعد إجراء 5882 تحليلاً مخبرياً بين بداية 2007 وأواخر حزيران (يونيو) من العام الماضي. وأثبتت العمليات جدوى دليل مراقبة تلوث المياه في تونس الذي وضعته الوكالة، وفائدة المعايير التي استند إليها. وأتاحت في الوقت ذاته لخبراء الوكالة، معرفة أفضل بمصادر التلويث السائلة التي تتسبب بتدهور البيئة، ونقل تلك المعلومات إلى المؤسسات المعنية بقطاع المياه، لتتدخل في حال تجاوزت نسبة التلوث مستوى محدداً.

وترتبط تجهيزات المختبرين المتنقلين الجديدين بحاسوب مركزي يُسهل تغذية قواعد المعلومات. ويشتملان أيضاً على معايير أخرى تُتيح تحليلاً فورياً للمواد الثقيلة والكلوروفيلات، وهي تحاليل كانت تجرى في أماكن أخرى. ومن هذه الزاوية يمكن القول إن التجهيزات الجديدة حققت استقلالاً في إجراء التحاليل ومكنت من ضمان السرعة في اتخاذ القرارات والتدخل كلما اكتُشفت ظواهر تلوث.

توعية الجمهور
ونظمت «الوكالة الوطنية لحماية البيئة» ندوة مفتوحة لتوعية الجمهور على أهمية مراقبة تلوث المياه، وأصدرت تقريراً سنوياً عن 2007 وتقريراً ثانيا عن 2008، إلى نشرتين لخصتا حصاد عمليات التحليل والرقابة. ولقيت هذه المنشورات توزيعاً واسعاً على الجمهور والمؤسسات المعنية بقطاع المياه في تونس، سواء في صيغتها المطبوعة أو عبر موقع خاص على شبكة الإنترنت. وتوقع بن حسين أن يكون المشروع الذي حقق الأهداف المرسومة له، نموذجاً تحتذي به بلدان المنطقة الأخرى لإطلاق شبكات مندمجة ومتكاملة الحلقات لمراقبة تلوث المياه وضمان حمايتها لتأمين مياه مطهرة للسكان.







تعليقاتكم
سليمان الكيال ، سوريا | 17-02-2010, 01.02h

من الصعب حل لغز الحياة دون معرفة حقائق علمية وثيقة , حقيقة المتوسط معرض للجفاف حقيقة علمية نريد أن نتوخاها بعد أن أصبحت الأنهار التي تصب فيه عميقة ومرتفعة بعد انسداد البحر عند جبل طارق مدة وفيرة , إذا أردنا أن نحافظ على المتوسط وجب الحذر والانتباه إلى مسائل أعمق من البحر واقصد بذلك الزلازل فالمنطقة العربية ثانية عالميا والحفاظ على مياهه لا يكفي بل التعمق في دراسة الافتراضيات للواقع المحيط بنا ربما ينبهنا ويحمينا أكثر من ورشات الحفاظ , لو زلزل مركز الأرض مياه المتوسط ماذا سنكون جنينا من هذا الحفاظ ؟

ام دارين، الأردن | 07-02-2010, 13.29h

" وجعنا من الماء كل شي حي " صدق الله العظيم فمن منا يستغني عن الماء فهو اساس وجودنا على وجه الارض ويجب اتخاذ كل الوسائل للحفاظ على المصادر المائية بكافة اشكالها وافضل خطوة قمتم بها توعية الناس لذلك ليجتمع الكل يدا بيد نحو مياه صحيه وسلامه بدنيه وشكرا

ديب عبدالغفور، فلسطين | 25-01-2010, 22.01h

تعتبر عملية مراقبة مصادر المياه كمياً ونوعياً من أهم الاجراءات الواجب اعتمادها على المستوى الوطني في جميع الدول العربية، ومراقبة مصادر المياه من الناحية النوعية له أثره المباشر في الحد جزئياً من خطر التلوث بكافة أنواعه وأشكاله. وفي هذا السياق يجب علينا حماية هذه المصادر أيضاً ليس فقط بمراقبتها بل بإنشاء مناطق حماية (Protection Zones) لهذه المصادر على أسس متطورة وذلك للحد من أسباب التلوث بما يشمل النشاطات الإنسانية والحيوانية، أعتقد أن الاتحاد الأوروبي له التجربة الرائدة في ذلك وياحبذا أن يعممها في الدول العربية من خلال هذه المشاريع التنموية.

احمد وجيه، المملكة العربية السعودية | 25-01-2010, 16.23h

اعتقد أن أهم خطوة في هذا المشروع قاموا بعملها هي توعية الجمهور لأن من الممكن ان يكلف المشروع ملايين ولكن لا يوجد توعيه، وبالتالي مع مرور الزمن سيعود الوضع إلى سابقه وكأنه لم يحدث شيئا في الأصل.

حازم شهوان، الامارات العربية المتحدة | 25-01-2010, 08.51h

أصبحت الحاجة ماسة، مع تنامي وتيرة الحديث عن إحتمالية تعرض مناطق ودول عدة في أنحاء متفرقة من العالم، الى مايُعرف " بالفقر المائي " خلال السنوات القليلة المقبلة، وليست منطقة حوض المتوسط والشرق الأوسط ببعيد عن هذه المخاوف وتلك الأخطار، الى تدخل دول الاتحاد الأوروبي لإنقاذ الموقف، والحد من التدهور الحاصل في مصادر المياه، وتلوث العديد منها في ظل غياب الوعي البيئي، وحالة اللامبالاة التي تغلب على سكان الكثير من دول العالم الثالث، ومن بينها الدول العربية المطلة على المتوسط، وكلي أمل في تعميم التجربة الأوربية التونسية المشتركة للحفاظ على مصادر المياه من التلوث، والإدارة الآمنة للنفايات، لتشمل دول الجوار المتوسطي جميعها.