تنمية بشرية وإدارة الموارد الطبيعية في شفشاون

05/08/2009


غابات شوح، ثدييات، زواحف، غطاء نباتي نادر... يحظى 58 ألف هكتار في منطقة شفشاون المغربية باهتمام خاص من قبل الإتحاد الأوروبي والسلطات المغربية.


نادية بنسلام - الرباط، أوروجار

لا يزال قلب منتزه تالسمطان الوطني بإقليم شفشاون في الريف المغربي الشمالي ينبض بآخر نوع من أشجار التنوب النادرة والمعروفة بـ "الشوح المغربي" والتي بات نظامها البيئي مهددا بالانقراض، ليس في القارة الإفريقية فحسب، بل على مستوى العالم برمته. وفي تلك المنطقة، لا يزال يقفز بحرية قرد الماكاك، المعروف باسم "ماغو" النادر أيضا فوق أشجار غابات المنتزه، ثم يلوذ إلى الكهوف الكثيرة المنتشرة في تلك الجبال، وهو آخر أنواع القرود من هذه الفئة على القارة الأفريقية. أنواع أخرى من الحياة البرية النادرة يضمها هذا المنتزه الغني بتنوع طبيعته والموثقة في الكتب العلمية في المغرب.

لذا ليس من وليد الصدفة أن يتحول هذا الموقع محمية طبيعية ثمينة بالنسبة للمغرب، وأن يصنف ضمن "محمية الربط القاري المتوسطي" الأولى من قبل منظمة اليونسكو. إنّ فرادة هذه المنطقة وجوارها مع أوروبا (14 كيلومترًا فقط تفصل بين المغرب وإسبانيا...) عوامل دفعت الإتحاد الأوروبي إلى تمويل مشاريع التنمية الريفية في المنطقة منذ التسعينيات، بهدف نشر التنمية الإجتماعية والإقتصادية للمنطقة، والحد من الفقر، من دون المساس بالموارد الطبيعية، من منظار التنمية المستدامة. تندرج هذه المشاريع في إطار استراتيجيّة الحكومة للتنمية الريفية بحلول العام 2020، والتي تهدف إلى تشجيع تنمية المناطق الريفية للبلد وإلى نشر السياحة الريفية.

منذ سنة 1996، تبنى المغرب استراتيجية لتطوير المناطق الطبيعية وتصنيفها، لأهميتها البيئية، ودورها الحيوي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة للمناطق القروية. وبتطبيق المخطط المديري للمندوبية السامية للمياه والغابات ومكافحة التصحّر سنة 2004، بات المغرب يضم اليوم عشرة محميات وطنية تقارب مساحتها الاجمالية 750 ألف هكتار ومن بينها منتزه تالسمطان الواقع في منطقة جبلية فقيرة ومهمشة تبلغ مساحتها 58 ألف هكتار. وتم تصنيف المنتزه ضمن 154 موقع ذي قيمة بيولوجية وبيئية وهو يحوي ما مساحته 1034 هكتاراً من المناطق المحمية. غير أنّ الغطاء الغابوي يتعرض إلى تدهور كبير، بفعل الاستغلال المفرط وغير المنظم للثروات الطبيعية والبناء العشوائي وخاصة الزراعة غير القانونية لنبتة حشيشة القنب.



وفي هذا السياق، وضع برنامج "ميدا شفشاون" للتنمية التشاركية بالمناطق الغابوية والمناطق المحيطة بها (1999-2008) بتمويل من الاتحاد الأوروبي الذي ساهم بمبلغ 24 مليون يورو، لتأهيل المنتزه وتجهيزه بالبنى التحتية اللازمة لتعزيز نشاطات المحمية.

ومنذ بضع سنوات فقط، أصبح لدى أهل شفشاون منتج سياحي جديد يفخرون به يختزل رهانا كبيرا معلقا على "الترويج للسياحة القروية كرافعة اجتماعية واقتصادية في هذه المنطقة الفقيرة، قائمة على تحقيق التوازن ما بين التنمية البشرية لسكان المنطقة والإدارة المستدامة للموارد الطبيعية، رهان تحاول المندوبية العامة للمياه والغابات ومكافحة التصحّر كسبه في هذه المنطقة المحرومة"، بحسب مدير المنتزه، عيسى المقدم.

المسارات السياحية
وطرح برنامج ميدا شفشاون أهدافاً عديدة، أكبرها الحفاظ على الموارد الطبيعية والثقافية للمنتزه، ودعم التنمية المحلية للسكان من خلال الأنشطة المدرة للدخل. وفي إطار النشاطات الآيلة إلى تأهيل المحمية، موّل المشروع فضاءات استقبال للزوار، وإنشاء متحف بيئي على مدخل المنتزه، ودليل للزوار، وإشارات ولافتات تعريفية داخل أنحاء المنتزه، وموقع إلكتروني جذاب وسهل الإبحار www.parctalassemtane.com لنشر نشاطات المحمية، يثير في زائره الفضول والاندهاش بروعة المناظر وغنى الطبيعة والثقافة المحلية.
ويشير الموقع إلى 7 مسارات سياحية يمكن للزائر أن يكتشفها ويعطي معلومات مفصلة عنها. وهي فرصة للتمتع بالمناظر البانورامية والكهوف وقمم الجبال ومنحدراتها المنحوتة في الصخور الكلسية، حيث أشهر المواقع "قنطرة الله" الطبيعية ويبلغ ارتفاعها نحو 60 مترا عن الأرض فوق وادي فاردة.



ومن ثمار برنامج ميدا شفشاون كذلك وضع قاعدة معطيات مهمة، مصنفة ومرتبة لأنواع الحياة الغابوية في المنتزه، ضمت 1380 نوعا من النباتات، برز فيها 11 نوعا من الأشجار الأساسية، و26 نوعا نادرا جدا، إلى جانب 37 من أنواع الثدييات، و30 من الزواحف، و104 من أنواع الطيور، وضمنها أصناف كثيرة معرضة للانقراض.

واستفاد الأهالي من دعم أنشطة مدرة للدخل تركزت على تربية النحل والأرانب والماعز، وصناعة الجبن والحرف التقليدية مثل حياكة المناديل الصوفية المميزة للباس المرأة الجبلية...، ويقول عبد الإله التازي مسؤول بجمعية تالسمطان للبيئة والتنمية إن برنامج ميدا أتاح بناء مركز قروي خاص بالمرأة تستفيد منه حاليا نحو 60 سيدة وفتاة. وساهمت هذه الجمعية بصفتها شريكا في المشروع، في ورش أخرى مع السلطات المحلية، في تكوين التقنيين وأطر الفلاحية والغابوية والفلاحين ووضع المسارات السياحية للزوار. غير أن أكثر نشاط سباق يحسب لهذه الجمعية هو التربية البيئية بين اليافعين والشباب، بحيث استفاد منها حتى الآن 800 تلميذ من المدارس والإعداديات الحضرية والقروية بالإقليم لمنتزه تالسمطان، وتعريفهم بالمؤهلات الطبيعية للمكان والمخاطر المهددة له من حرائق واجتثاث الأشجار وآثار تغير المناخ.

إطلع على موجز المشروع: برنامج التنمية الاشراكية في المناطق الحرشية - محافظة شفشوان (المغرب)







تعليقاتكم
لحسن البقالي ، المغرب | 23-04-2010, 18.46h

تعد منطقة شفشاون من اهم المناطق المغربية من الناحية الجغراقية اقليما متميزا وطنيا ودوليا يجلب السياح من مختلف مناطق العالم.كما انه لا زال بفضل مؤهلاتها الطبيعية التي اصبحت تشكل منتزها رفيعا معروفا على الساحة الدولية .نتيجة تصنيفه من ابرز المنتزهات من 154 منتزها عالميا.وباحتضان هدا الاقليم على انواع متعددة ومختلفة من اصناف الا شجار و التي باتت مهددة بالاندثار .بالاضافة الى انه يجني ارباحا مهمة للمنطقة بل وانها هي من ابرز الموارد التي يعتمد عليها هدا الاقليم الفقير الموارد. لولا غابات الاقليم التي يكتسب منها موارد مالية مهمة لا كان من اضعف الضعفاء فالغابات بشفشاون تشكل احدى اهم الركائز تؤهله لييحافظ على انواع تراجعت بل وفي طور الانقراض.زد على دلك فهدا الاقليم مفتوحا من الناحية الشمالية الشرقية على الواجهة البحرية المتوسطية

abdelmoumen، المغرب | 10-10-2009, 16.05h

قد يكون ما يسعى إلى تحقيقه الإتحاد الأوروبي في المغرب، مسألة تدعوا إلى التشجيع والتصفيق لها في آن.فأمورا، كالحفاظ على الموارد الطبيعية والثقافية لمنتزه تالسمطان، ودعم التنمية المحلية لسكان الشاون من خلال الأنشطة المدرة للدخل، تعطي إنطباعا بأن الدول الغنية/دول الشمال (الإتحاد الوروبي بالأساس)، ليست غافلة عن الأوضاع الهشة التي تعيشها الضفة الأخرى للمتوسط (المغرب بالخصوص). وإذا كان المغرب قد خط لنفسه مسارا نحو التنمية البشرية، فخطى خطوته الأولى نحو ذلك، فإنه لم يكن ليفعل لولى أن ساعده -بل حفزه في البداية- على ذلك دعم الإتحاد الأوروبي.

عبد الواحد استيتو، المغرب | 22-08-2009, 15.53h

من حسنات هذه المشاريع أنها تحول الأماكن البعيدة والنائية إلى مواقع عالمية يسهل لأي شخص التعرف عليها وزيارتها وبالتالي المساهمة في تنمية السكان المحليين أنفسهم والذين يستفيدون بشكل مباشر وغير مباشر من مثل هذه المشاريع. بل - ولم لا - المساهمة فيها بشكل أو بآخر. الفكرة جيدة وتحتاج لمثيلاتها بعدد من المناطق النائية الأخرى.

يوسف محمد بناصر، المغرب | 18-08-2009, 17.35h

اصبحت التنمية البشرية بالمغرب اهم نشاط اجتماعي و اقتصادي تقوم به الدولة والفاعليين الجمعويين لفك العزلة على المناطق الهامشية في المدن والقرى المختلفة... وهو ما جعل حركة المشاريع الصغرى تنشط في المناطق المختلفة من المغرب مما ساهم في ادماج مجموعة من الشباب في تلك المشاريع و اخراجهم من البطالة التي كانوا فيها مدة من الزمن. كما انجزت مشاريع تنموية هامة من انارة و تعبيد للطرق وايصال المياه الصالحة للشرب لمجموعة من القرى والازقة... وفي الاخير تبقى مجموعة من الملاحظات على برنامج التنمية البشرية والتي من بينها أن اغلب المشاريع ليست تملك استراتيجية واضحة ومستقبلية لتبقى مشاريعا معاشية وتتخبط في مشاكل التسيير والتمويل.

adil bouya، المغرب | 10-08-2009, 23.44h

مثل هده المشاريع بالتأكيد سيكون لها دور اساسي في القضاء على زراعة حشيشة القنب بالمنطقة بل الحفاظ على البيئة بشكل دائم يضمن استمرار جهود التنمية باساليب مناسبة تجمع متطلبات التنمية و مقتضيات الحفاظ على البيئة على المدى البعيد؛ فيما اصبح يطلق عليه اليوم اصطلاح التنمية المستدامة. على الدولة العمل ببرامج الالتزام compliance و الالزام enforcement, التي هي مجموعة نظم الادارة و المؤسسات و الموارد البشرية و المالية المكرّسة لحفز الالتزام او فرضه.