"تمبوس" في سورية لـ"تطوير منظومات التعليم في الجامعات"

31/08/2009


بعد دخول الجامعات الخاصة الى سورية في العام 2003، في إطار الإصلاحات التي شهدها قطاع التعليم العالي بعد أربعين سنة من تأميم التعليم، صار الهدف المباشر للدولة اشراك المجتمع في التعليم وتوسيع دائرة المشاركة في اتخاذ القرار إضافة الى إشارات أخرى صبّت في الاتجاه نفسه ومنها إنهاء عسكرة الحرم الجامعي وتراجع حضور التربية القومية مقابـل التركيز على تعليم اللغة الأجنبية في كل مراحل التعليم العالي.


سمر ازمشلي - دمشق، الحياة

بات في سورية حالياً 15 جامعة خاصة، وأربع أخرى قيد الإنشاء، أقيم معظمها بالتعاون مع جامعات أجنبية في مناطق بعيدة من مراكز المدن مثل جامعة القلمون في دير عطية (ريف دمشق)، لتضاف الى الجامعات الحكومية الست. وتزامن ذلك مع ظهور التعليم المفتوح الذي لا يفرض حضوراً على الطلاب، والتعليم الموازي والجامعة الافتراضية القائمة على التعليم الإلكتروني. وعلى رغم كل التقدم الذي شهدته الجامعات السورية، لا تزال تعاني من نواقص عدّة في مجال تلبية متطلبات المجتمع وأهمها تخطي العقبة التكنولوجية والمعلوماتية. ولكي تقوم الجامعات بدورها في ميادين التنمية المستدامة، والتقدم التكنولوجي، والإسهام في الإنتاج، وقيادة المجتمع فكرياً، كان لا بد من إعادة النظر في هياكل التعليم كله، وأوضاع الجامعات وتحويلها من "مراكز تقليدية" لتخريج الطلاب إلى "مراكز لبناء جيل جديد" قادر على استيعاب المستجدات في العلوم والتكنولوجيا وثورة المعلومات المتدفقة.

ومن اجل أن تغدو الجامعات السورية مراكز للنهوض والتقدم والتنمية، وبالقدر الذي يجعلها مستجيبة لظروف العالم المتغير، حطّ مشروع "تمبوس"، برنامج الحراك عبر اوروبا للدراسات الجامعية، الذي اطلق في اوروبا في العام 1990، رحاله في سورية في العام 2002 بهدف إعادة تأهيل أنظمة التعليم العالي في الدول الشريكة وعددها 27 دولة بينها سورية. ويعتبر "تمبوس" أحد برامج المجموعة الأوروبية المصممة لدعم عمليات الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي أو التنمية في الدول الشريكة ويعمل على تطوير منظومات التعليم العالي فيها عبر التعاون بين مؤسساتها ومؤسسات الدول الأعضاء في المجموعة الأوروبية.

الفترة الأولى من البرنامج في سورية، امتدت من العام 2002 ولغاية العام 2006، ورصد لها نحو عشرة ملايين يورو صرفت بالكامل، ومن بعدها مُدِّد للبرنامج الذي تديره المفوضية الأوروبية في بروكسيل من خلال شبكة من المكاتب الوطنية في كل دولة، ليشمل الفترة بين 2007 و2013.

ويتم التنسيق لمشاريع "تمبوس" في سورية من قبل "المكتب الوطني لبرنامج تمبوس" الذي تأسس في كانون الثاني (يناير) عام 2004 ومقره وزارة التعليم العالي، وتتمثل نشاطاته الرئيسية في تقديم الدعم للمتقدمين بطلبات المنح، والمساهمة في عملية تقييم المشاريع، ودعم المشاريع قيد التنفيذ، والترويج للبرنامج للتعريف به لدى المعنيين.

اصلاحات هيكلية
ويقدم مشروع "تمبوس" الحالي نوعين من المنح: المشاريع المشتركة التي تقوم على شراكة متعددة الجوانب بين مؤسسات التعليم العالي الأوروبية والدول الشريكة. وتهدف المشاريع المشتركة الى تبادل المعرفة بين الجامعات الأوروبية والمؤسسات في الدول الشريكة وبين المؤسسات في الدول الشريكة نفسها. ويتم تنفيذ المشاريع المشتركة على مستوى مؤسساتي وهي تسعى الى تحقيق أربعة أهداف تتعلق بتطوير المناهج وتطوير الإدارة المثلى والتعليم العالي والمجتمع والشبكات الفردية. وتسعى مشاريع الإجراءات الهيكلية الى دعم الإصلاح الهيكلي لنظم التعليم العالي وتطوير الأطر الاستراتيجية على المستوى الوطني وذلك بحسب الأولويات التي حددتها بوضوح السلطات المختصة في الدول الشريكة. وتغطي الإجراءات الهيكلية تطوير الإدارة المثلى والتعليم العالي والمجتمع.

وطريقة عمل المشروع في سورية تكمن في زيارات يقوم بها مسؤولو المشروع الى الجامعات والترويج للبرنامج في صفوف الأكاديميين ورؤساء وأساتذة الجامعات والطلاب ضمن الأولويات التي تحددها وزارة التعليم العالي في سورية بالتعاون مع الاتحاد الاوروبي ومن بينها، كما يوضح الدكتور رامي الأيوبي منسق المشروع في سورية، إنشاء المعاهد والكليات والبرامج الجديدة وسياسات القبول الجامعي وتطوير منظومة التعليم والبنية التحتية للبحث العلمي، وتطوير المعاهد المتوسطة وتطوير المنظومة الإحصائية لدعم القرار في التعليم العالي. في المرحلة الثانية يساعد المكتب في إرسال اقتراحات المشاريع الى الاتحاد الأوروبي وتصدر النتائج بعد ستة أشهر أي أواخر تشرين الأول (أكتوبر) المقبل ويتم قبول مشروعين أو ثلاثة مشاريع في العام تمول بمبلغ يتراوح بين 1.5 مليون و 2.5 مليون يورو.

تطوير المناهج الدراسية
ويشير الأيوبي الى انه منذ العام 2003 وحتى العام الماضي، تم تمويل 33 مشروعاً موجهة لتطوير المناهج، صرف حتى الآن منها نحو 3 ملايين يورو لشراء معدات لمؤسسات التعليم العالي، و3 ملايين مصاريف ورواتب فرق العمل بالإضافة إلى صرف ما يقارب 4 ملايين يورو على الحراك من وإلى أوروبا. وأوفد أكثر من 80 طالباً الى دول الاتحاد الأوروبي و300 أكاديمي الى الدول الشريكة، فيما جاء 300 أكاديمي من دول الاتحاد الى سورية وهذا ما حقق الغاية من مشروع "تنشيط الحوار والاتصال مع الآخر".

ويعتبر الأيوبي البرنامج "أداة أساسية للتعاون في التعليم العالي، ويلعب في سورية دوراً مهماً في التعليم العالي بمساهمة معظم مؤسساته إذ كان لتمبوس أثر على تحديث المناهج وطرق التدريس وضمان الجودة وتدعيم التسهيلات المختلفة"، لافتاً الى ان "تمبوس" عزز فكرة التعليم بلا حدود، وان ترتيب شنغهاي الأخير لأفضل 500 جامعة حول العالم لا يتضمن أي جامعة عربية.‏

ويعمل مكتب دمشق على متابعة تنفيذ المشاريع وتقديم العون والإرشاد والتأكد من حسن سيرها، وتحقيق الغايات المرجوة منها وذلك بتنظيم اجتماعات دورية مع فرق عمل كل مشروع إضافة لمشاركته دورياً بعملية تقييم واختيار المشاريع المقدمة من سورية، وتقديم المساعدة للمتقدمين بطلبات الحصول على مشاريع من تحديد المتطلبات وبلورة الفكرة الى البحث عن شركاء أوروبيين وإقليميين، ويستمر بتقديم العون للمشاريع أثناء عملية تنفيذها فضلاً عن التنسيق بين الجهات المعنية بالبرنامج أي "المفوضية الأوروبية" في بروكسيل ووزارة التعليم العالي ومؤسسات قطاع التعليم العالي و"بعثة المفوضية الأوروبية" في دمشق ومكاتب "تمبوس" المتوسطية.

وعلى رغم ان طلاب الجامعات والدراسات العليا هم الأكثر تأثراً ببرنامج "تمبوس"، لا يقدم البرنامج منحاً مباشرة للطلاب، إلا انه في بعض المشاريع المنفذة يتم إشراكهم إذ أن من أصل 33 مشروعاً اشترك الطلاب في تسعة مشاريع، في إطار الحراك مع أوروبا، وجرى إيفاد أكثر من 75 طالباً الى دول الاتحاد الأوروبي.

ومن 33 مشروعاً حظيت جامعة دمشق بالحصة الأكبر من مشاريع "تمبوس"، نحو 15 مشروعاً، تلتها جامعة حلب (شمال) بـ 11 مشروعاً، ومشروع واحد لجامعة البعث (حمص، وسط)، بالإضافة إلى مشروعين لكل من جامعة تشرين (اللاذقية، على الساحل) ووزارة التعليم العالي والمعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا. فيما تأتي فرنسا في مقدم الدول الحاملة للمشاريع بـ13 مشروعاً تليها ألمانيا بـ7 مشاريع و 3 مشاريع لكل من إيطاليا والمملكة المتحدة بالإضافة إلى مشروع واحد لكل من إسبانيا وتشيخيا والنمسا ومشروعين لكل من اليونان والسويد.

ويعتبر القائمون على التعليم العالي في سورية مشاريع "تمبوس" من "أهم نماذج التعاون العلمي والأكاديمي الناجحة بين الاتحاد الأوروبي وسورية". ويتجه مكتب "تمبوس" في دمشق الى اعتماد المشاريع التي تعمم فوائدها على أكبر عدد من الجامعات وتلبي عدد أكبر من أولويات وزارة التعليم.

واللافت في المشاريع التي تم إنجازها في الجامعات السورية، تنوع المواضيع التي تطرقت إليها وحداثتها، ومنها على سبيل المثال مشروع تطوير المكتبات الإلكترونية في الجامعات السورية الذي أتاح للجامعات السورية فرصة البدء في تطوير مكتباتها، علماً انه تشارك في المشروع جامعتا حلب والبعث ومؤسسة "ايفل نت" - جامعة روما وجامعة "ميدلسكس" البريطانية، وتولت إدارته من الجانب الأوروبي جامعة "روبيرت غوردن" البريطانية.

ويهدف مشروع الى "إعادة تأهيل المدن التاريخية الإسلامية" الذي تبنته جامعة حلب، الى تسليط الضوء على أهمية المدن التاريخية الإسلامية كمصدر الهوية والتراث. وحرص المشروع على تطوير ماجستير تخصصي في طرق واستراتيجيات الحفاظ على المدن التاريخية في إطار التنمية المستدامة مع الأخذ في الاعتبار الحاجات الاجتماعية الآنية والإمكانات المحلية‏.

تعزيز التواصل بين الاساتذة والطلاب السوريين والاوروبيين
وسعى مخبر التعليم الإلكتروني في كلية الطب - جامعة تشرين في اللاذقية وجامعة ماربورغ الألمانية الى تعزيز التفاعل بين أساتذة الكلية والطلاب مع الجانب الألماني للاطلاع على آخر المستجدات في العلوم الطبية من تشخيص وعلاج. ويضم المخبر 15 جهاز حاسب يتم عبرها الدخول إلى مواقع الجامعات الألمانية ومركز التعلم الإلكتروني في جامعة ماربورغ الألمانية.

وبمشاركة خمس جامعات أوروبية من فرنسا وألمانيا وبريطانيا بالتعاون مع جامعة حلب، تم تطوير ماجستير في تقنيات المعلومات في مجال التشييد في كلية الهندسة في جامعة حلب. ويهدف المشروع إلى رفع مستوى الدراسات العليا ضمن برنامج عمل محدد يتمحور حول ثلاثة محاور رئيسية وهي توصيف منهج الماجستير في وضعه الراهن والعمل على اقتراح حلول بديلة وإحداث الماجستير كنموذج، وإحداث ما يسمى بشهادة مهارة بحث لعضو الهيئة التدريسية كي يستطيع الإشراف على رسائل الدراسات العليا وإحداث بنية جديدة لنظام درجة الدكتوراه في جامعة حلب بحيث يتم لاحقاً تعميمها على الجامعات السورية. ويعمل المشروع على استقطاب المعيدين الموفدين للعودة الى جامعاتهم الأم ومتابعة أبحاثهم والعمل على الاعتراف المتبادل بين الشهادات الجامعية السورية والأوروبية بسوية متماثلة واختصار زمن سنوات الإيفاد الى أوروبا وربط الجامعة بالمجتمع من خلال التفاعل بين المؤسسة الجامعية ومختلف القطاعات في الدولة.

إطلع على موجز المشروع: تامبوس (التعاون في مجال الدراسات الجامعية) (سوريا)







تعليقاتكم
احمد غزال، سوريا | 22-02-2010, 19.21h

بكل تأكيد الجامعات في سوريا بحاجة الى التطوير في العديد من المجالات وهي جامعات وخاصة دمشق منها جامعة عريقة وحري بنا جميعا أن نحافظ على عراقتها

حسين الدويري، الأردن | 30-11-2009, 08.16h

جودة التعليم العالي لا تعتمد على التقنيات الا اذا تم تأهيل من يستخدم تلك التقنيات، واذا تم ابعاد مدخلات العملية التعليمية عن السيطرة الحكومية، في كل العالم الثالث، التعيينات مرتبطة بالاجهزة الامنية او قرارات سياسية، وحتى الاستاذ الجامعي يدّرس وهو مرعوب، اما امنيا اويكون منتمي سياسيا للحزب الحاكم او قريب من دوائر صنع القرار، وكيف تكون عدالة في البعثات او التفرغ العلمي ومكتب تمبوس موجود في مؤسسات مسيطر عليها امنيا، او خاضعة لسيطرة السياسيين، واذا كانت اوروبا جادة، واظنها كذلك اين التقييم لمخرجات التعليم التي تدعمتها؟ وما هي الاسس التي على اساسها يتم اختيار الكفاءات لارسالها الى اوروبا؟

حسين الدويري، الأردن | 23-11-2009, 11.09h

التعليم العالي مجير في العالم الثالث. حتى الاساتذة الذين يتم ايفادهم الى اوروبا، او حتى المدرسين للبرامج داخل دولنا، اكيد يكونوا من فئة معينة، او بموافقات امنية، ما دام مكاتب الدعم تسكن وزارة التعليم العالي. فقرار الايفاد مملوك للحكومة، ولا يكون حسب الكفاءات. وهل الاستاذ الجامعي او الطالب يستطيع السير خارج سرب المؤسسات الرسمية او الامنية؟ وهل يتم عمل تقييم سنوي من قبل تمبوس , وهل يتم ايفاد الطلاب حسب الكفاءة ام حسب تنسيب المؤسسة الرسمية؟ وحتى اوائل الطلبة يكون حسب انتسابه الايدولوجي، او نسبه العائلي , والنتيجة حصر الشهادات العليا لابناء فئة معينة. والا لماذا لم تدخل أية جامعة عربية ضمن افضل 500 جامعة في العالم؟

ساجدة النداف، الأردن | 23-11-2009, 08.51h

برأيي ان تطوير التعليم وجودته لايتوقف على التقدم التقني فقط بل بحاجة الى معرفة يستند اليها هذا التقدم ،حيث ان التعليم الالكتروني يشمل المعرفة والتطبيق ،وليس المهم ان يكون لدينا عدد هائل من الاجهزة داخل الغرف الصفية لكن تكمن الاهمية في آلية ادارة واستخدام هذه الاجهزة وقبل التوجه للحديث عن تقنيات التعليم ،علينا أولا أن نوجه اهتمامنا الى قائد العملية التربوية الذي قيل فيه كاد المعلم ان يكون رسولا،فالمعلم وللأسف مضطهد في الدول العربية وفي طريقه للانهيار والتقنيات بدون معلم لاقيمة لها لأن المعلومة تصل للجميع لكن أخلاقيات استعمال المعلومة لاتكون الا بالمعلم ،فأتمنى أن نعطي قليل من الانتباه للمعلم ثم تأتي التقنيات والتعليم الالكتروني من بين يديه

مالك العاصي، الأردن | 20-11-2009, 19.13h

التعليم يُعد ركيزة أساسية للتنمية والتقدم والنهضة، حيث إن البشر المتعلمين المؤهلين هم الثروة الحقيقية لأي مجتمع من المجتمعات، ومن هنا تتسابق دول عديدة في العالم على الاستثمار في العنصر البشري من خلال التعليم والتدريب والتأهيل.