الحدود الأردنية - السورية «تطهّر» من الألغام بفضل تمويل أوروبي وحماسة السكان

18/09/2009


وظيفة ليست كسائر الوظائف... ازالة الالغام المبعثرة في الحقول على الحدود الأردنية - السورية مهنة محفوفة بالمخاطر، الا ان ممارستها تعطي هيام الشابة الاردنية الشعور بالفخر والاعتزاز كما بالمسؤولية تجاه الانسانية وخاصة تجاه أؤلئك الذين عبروا فوق تلك الاراضي وفقدوا أعضاء من أجسادهم.


سلافة الخطيب، عمّان - الحياة

على أرض مسكونة باحتمالات الموت والخطر تقف هيام العندلي (29 سنة) وقد أحاطت بها الألغام الأرضية من كل صوب. وبواسطة جهاز كاشف للمعادن تجهد في البحث عن عدوها النائم تحت الرمال. ومع انتهاء عملها داخل الحقول تعود هيام الى منزلها فخورة بانتصار حققته في ساحة المعركة.

تؤدي هيام وظيفتها اليومية في إزلة الألغام ضمن منطقة الحاجز الأمني الشمالي على الحدود الأردنية - السورية حيث زُرع الآلاف منها لأغراض أمنية. وبقيت تلك المناطق تُشكل هاجساً مرعباً لسكان المناطق المجاورة. وتقول هيام التي تعمل منقبة عن الألغام في الجمعية النروجية للمساعدات الشعبية: "التحقت بالعمل في تطهير الحقول بداية من أجل الحصول على وظيفة ذات دخل مجد إلى أن أصبح عملي المحفوف بالمخاطر له دوافع إنسانية وهي تخليص السكان من مخاطرانفجار تلك الالغام". النعوش التي عادت من تلك الأراضي المنسية والمعاناة التي لحقت بالعابرين فوقها ممن فقدوا أعضاء من أجسادهم خلق لدى هيام شعوراً بالتحدي، فأصبح دخولها اليومي إلى الحقول "أمراً روتينياً يتطلب مني تيقظ حواسي كلها وتيقظاً ذهنياً يتفوق على أي تشتت". هيام واحدة من 9 شابات يشكلن أول فريق نسائي أردني لإزالة الألغام. تخرجت من دورة أساسية في تطهير الحقول الملغومة، عقدتها الجمعية مدة 6 أسابيع وباشرت العمل بعدها مباشرة.

أهداف المشروع وآلية العمل
ويقول محمد بريكات رئيس "الهيئة الوطنية لإزالة الألغام وإعادة التأهيل" الأردنية: "بدأت الجمعية، التي تتلقى الدعم المالي من الإتحاد الأوروبي من خلال مكتب الامم المتحدة الإنمائي في الأردن، العمل في منطقة الحاجز الشمالي الممتدة على مسافة104 كيلومترات في تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 2007، ونفذت مسحاً تقنياً كشف عن وجود 136 ألف لغم". ويوضح بريكات أن "مساحة منطقة الحاجز الشمالي تبلغ 10 ملايين متر مربع زرعتها الأردن بالألغام في السبعينات من أجل الحد من عمليات التهريب"، مضيفاً أن "عملية تطهيرها جاءت من أجل التخلص من أخطارها على حياة الانسان، اذ خلف تفجرها على مر العقود الماضية ضحايا وصل عددهم إلى نحو 770 شخصاً بين قتيل وجريح". ويضيف: "عملية الإزالة بدأت في شهر نيسان (ابريل) 2008 بإشراف من الهيئة وبالتعاون مع القوات المسلحة الاردنية المعنية بتنفيذ عمليات حرق الالغام وتقديم النصح والإرشاد، فيما الجمعية النروجية هي الجهة المنفذة للإزالة من خلال كوادر عسكرية ومدنية مدربة على التنقيب وتفكيك الالغام". ويقول منسق عمليات الإزالة في الميدان موسى الصقور: "تعمل12 فرقة على تطهير الحقول ويضم كل فريق قائداً وآمري جماعة وعشرة مزيلي ألغام وحارق ألغام، ترافقهم 7 فرق إسناد طبي لغايات تقديم الإسعافات الأولية المتقدمة في حال وقوع حوادث انفجارات".

ويوضح الصقور أن "عملية الإزالة إما تكون يدوية باستخدام طريقة الحفر أو باستخدام كاشفات المعادن"، موضحاً أن "10 من الفرق تتبع الأسلوب اليدوي، إلا أنها لا تباشر العمل إلا بعد الإنتهاء من تنفيذ مسح فني للمنطقة لتحديد المخاطر والإجراءات اللازمة لتطهيرها، وتحديد المهمات والآليات، فضلاً عن توقع الوقت اللازم للعمل وعدد القوى العاملة".

ويتطلب الدخول إلى منطقة الألغام بداية فتح طرق أمان تسهل على المنقبين الحراك، وهي أحد إجراءات السلامه العامة، يلتزم بها العاملون للحد قدر الإمكان من تعرضهم للإصابات في حال انفجر لغم. وتستدعي "المعركة" وجود مجندين مجهزين بالأسلحة، كما ينبغي أن يلتزم العاملون في الحقول بإرتداء معاطف حامية من الألغام، وأقنعة واقية توضع على الوجه، وأحذية مخصصة للسير في تلك المناطق الخطرة.

ويلفت الصقور إلى أن "الجمعية أوجدت فرص عمل لنحو 250 مواطناً كانوا عاطلين من العمل، ومنهم من كان يعمل في السابق عسكرياً في سلاح الهندسة الأردني، وآخرون مدنيون دفعهم ضيق الحال وتدني الوضع الإقتصادي لخوض مجال صعب وخطر". ويضيف: "تحرص الجمعية على توظيف سكان المناطق المجاورة لحقول الألغام التي نقوم بتطهيرها، إذ يعتبر توفير فرص العمل، ولو كانت لفترات محددة، من النتائج الفرعية الإيجابية للمشروع، إضافة إلى كون هؤلاء الأشخاص معنيين مباشرة بالمخاطر واول المستفيدين من إزالتها".

الاتحاد الاوروبي ماض في دعم مشاريع تطهير حقول الالغام
وبحسب الصقور، فإن الحقول التي تطهر لا تُسلم إلى الهيئة إلا بعد الانتهاء من مرحلة التحقق من نظافتها التامة، إذ يتم إدخال كاسحة ألغام تعمل بالتحكم من بعد، فضلاً عن استخدام كلاب مدربة على كشفها تشتم الروائح المنبعثة منها.
وأنجزت الجمعية حتى الآن تطهير 6 حقول من أصل 93 حقلاً في منطقة الحاجز الشمالي، سُلمت 3 منها للقوات المسلحة الأردنية ومن المنتظر تسليم الثلاثة الآخرى بعد أن تُجري الهيئة بواسطة فريق ضبط الجودة إجراءات إعادة تأكيد التطهير. ويزيد الصقور: "بلغ عدد الألغام التي أُزيلت من تلك الحقول نحو 57 ألف لغم ومن المتوقع الإنتهاء من المشروع منتصف 2011". وتعد منطقة الحاجز الشمالي آخر مشروع رئيسي لإزالة الألغام بدعم من الإتحاد الأوروبي بعد أن انتهت هيئة إزالة الألغام من تطهير أراض اخرى في مناطق الغور الأردني.

وكان الإتحاد الأوروبي قد دعم مشاريع لتطهير منطقة الباقورة وهي الأرض المستعادة من اسرائيل بعد توقيع اتفاقية السلام بمبلغ 800 ألف يورو لتطهير 12 حقلاً بالتعاون مع القوات المسلحة الاردنية وتحت إشراف فريق ضبط الجودة التابع للهيئة. ويقول الصقور: "استطاع السلاح الهندسي الاردني بفضل كفاءة كوادره وسرعة انجازهم للمهمة الموكلة اليهم أن ينتهي من تطهير الحقول خلال مدة لا تزيد على أربعة أشهر في منطقة الباقورة، فيما كانت المدة المحددة هي عام ونيف ما شجع المفوضية الاوروبية إلى الموافقة على زيادة عدد الحقول لتصل إلى 33 حقلاً في مناطق في وادي الاردن تم تطهيرها أيضاً ضمن المبلغ المالي المرصود والمدة الزمنية المحددة".

ويقول بريكات: "واصلت المفوضية دعمها لتنفيذ مشروع آخر في منطقة الحاجز الشمالي بقيمة 4 ملايين ونصف مليون يورو من خلال الجمعية النروجية التي أُوكل لها التنفيذ عبر مكتب الامم المتحدة الانمائي في عمان". ويشير بريكات الى أن "الأراضي التي يجري تطهيرها في منطقة الحاجز الشمالي سيصار الى إستصلاحها لاحقاً، فالمنطقة فيها ما يزيد على 33 بئر مياه وأراض زراعية غير مستغله فضلاً عن أن مخاطرها على حياة الانسان ما عادت موجودة". ويضيف: "كانت الهيئة بدأت العمل على إزالة الألغام عام 1993 في مناطق غور الاردن لأن وجودها كان يحد من التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وحرص الأردن على توقيع اتفاقية أوتاوا الدولية لحظر الألغام في 1998 وبدأ العمل على قدم وساق لإزالة جميع الألغام من أراضي المملكة الاردنية".







تعليقاتكم
دعاء على أحمد عبد الرحيم، مصر | 08-02-2010, 10.12h

لقد قام ألفريد نوبل يوما بالتكفير عما شعر أنه فعله فى حق البشرية من تدمير بجائزته المعروفة فنرجو إستيعاب الدرس بتكاتفنا جميعا بعدم زرع هذه الألغام مهما كانت الأسباب وإستبدالها بالأسلاك الشائكة أو ماشابه إذا إقتضى الأمر وتكليف كل الأطراف التى قامت بزرع الألغام بضرورة الإشتراك فى التخلص منها وإستخدام الإمكانيات المادية والعلمية فى سبيل ذلك .إن ذلك المشروع الخاص بالتخلص من الألغام يحقق الهدف منه بالإضافة إلى إشتراك كوادر من السيدات لإعطاء المرأة دورا هاما وضروريا فى مجال كان يصعب يوما إسناد العمل لها فيه

نعيم ياسين ، الأردن | 04-12-2009, 14.08h

استغرب هذه الفرحة العارمه بهذا الانجاز العظيم يتحدثون عن 130 الف لغم ويعتبرونها انجازا . لماذا لا يذهب الاتحاد الاوروبي الي الحدود الاردنيه الاسرائيليه والتي تفوق 400 كم ويرى عدد الالغام هذا اذا استطاعوا احصائها ولماذا يبقون على هذه الالغام مع العلم بان 70% من المناطق الحدوديه مع اسرائيل مأهوله بالسكان بعكس الشريط الحدودي الاردني السوري الذي يعتبر شبه فارغ, فعلا هو امر عجيب فمن المستفيد هل هو دور تسويقي للاتحاد الاوروبي واعماله الانسانيه في دول الشرق الاوسط او هل هو نوع من سرقة التبرعات من قبل المبعوثين انفسهم .... الله اعلم

ديانا حدادين، الأردن | 01-12-2009, 21.42h

اننا نثمن جدا ما انجزته الهيئة الوطنية للالغام في الاردن من حيث تنسيق الجهد وتحديد الاولويات الوطنية المتعلقة ببرنامج نزع الالغام، وهذا انعكس من خلال ما ينجزه الأردن اتجاه تنفيذ اتفاقية اوتاوا في كافة محاورها إزالة الألغام ومساعدة ضحايا الألغام والتوعية من مخاطر الألغام. ولكن ما زال هناك حاجة إلى مزيد من الجهد اتجاه مشكلة "قديمة جديدة" وهي مشكلة إنسانية؛ حيث يعاني منها المجتمع الأردني وهي ليست وحدها الألغام وإنما أيضا من القنابل العنقودية غير المتفجرة وخاصة في الفترة الزمنية اللاحقة لحرب العراق الأخيرة.

Esraa، الأردن | 01-12-2009, 14.27h

منتهى الحضارة والإنسانية. إن المساعدة في إزالة خطر مميت كخطر الألغام فاق جميع أوجه العون انسانية. ولو كان ذلك العون مادياً، لطالما اقتصرت المساعدات الخارجية من أي جهة على الأموال والمشاريع في مجالات عديدة اقتصادية واجتماعية. ولكن ما حدث هنا هو انقاذ أرواح وأجساد من الموت أو العاهات، انقاذ أجيال واحياء ذلك المكان في أي من البلدين بعدما كان يسوده الموت والخوف من أن تطئه قدم أو يحط عليه طير.

عماد محمد **، فلسطين | 29-11-2009, 22.10h

ندعوكم من خلال موقع اوروبا جارتنا الى حث الحكومات والاتحادالأوروبى والدول العربية الى العمل سوية من اجل البحث عن المناطق التى يوجد فيها الغام مضادة للافراد والمركبات والمناطق التى يستغلها المزارعون ورعاة الاغنام والاطفال الصغار هم عرضة لهذا الموت اوالاعاقات الجسدية جراء ذلك. ندعوكم من خلال موقع اوروبا جارتنا الى العمل الحثيث والمتواصل واصدار نشرات التوعية والتثقيف لمخاطر الاجسام الخفية تحت الارض وفوق الارض حتى نتجنب المخاطرة القاتلة، ولتعمل اوروبا والعرب بيد واحدة من اجل مكافحة الالغام ومخاطرها على السكان.