الإرث الفينيقي، إرث أورومتوسطي مشترك

02/06/2010


في إطار برنامج التراث الأوروبي المتوسطي الرابع، يسعى مشروع Mare Nostrum إلى جمع المدن التي تمّ تطويرها في الحقبة الفينيقية، أو التي خضعت للتأثير الفينيقي بشكل أو بآخر. ولا شكّ في أن هذا المشروع يشكّل مرآة التعاون الأوروبي المتوسطي من خلال تعزيز تراث المدن الساحلية للبحر الأبيض المتوسّط.


جوليان تيرون - أوروجار

الحضارة الفينيقية حضارة لامعة، نقلت الأبجدية إلى اليونان، وقد بلغت مدن المتوسط من خلال تمدّدها التجاري. غير أن ما نعرفه عن تلك الحقبة أنّ الشعوب الفينيقية لم تكن موحّدة ومتجانسة، بل كانت تعيش ضمن سلسلة مدن متقاربة على ما يعرف اليوم بالساحل اللبناني، وعلى السواحل القريبة من الجهة الشمالية ومن الجهة الجنوبية. ويسعى مشروع Mare Nostrum إلى تعزيز هذا الإرث في عدد من المدن المتوسطية، وقد تمّ تمويله من الاتحاد الأوروبي بما يزيد عن 1,3 مليون يورو.

نظرة شاملة على الإرث الفينيقي
يعتبر فابريزيو فوشيللو Fabrizzio Fuccello، وهو من أطلق المشروع وكان مستشاراً علمياً له، أنه بالرغم من أنّ المدن المشاركة في المشروع ليست كلّها فينيقية تماماً، مثل رودس (اليونان) وسيراكوز (إيطاليا)، إلا أنها كانت لها علاقات مثمرة وودّية مع الفينيقيين. إلى جانب هاتين المدينتين، يشارك في المشروع كلّ من مدينة صور (لبنان)، لا فاليتا (مالطا)، قرطاجة (تونس)، وطرطوس وأرواد (سوريا).

وقد نشأت الفكرة في العام 2007، خلال معرض "معهد العالم العربي" في باريس حول "الفينيقيين والمتوسّط، من قرطاجة إلى صور". وفيما كان التركيز ينصبّ غالباً على الأمبراطورية الرومانية، كانت الحضارة الفينيقة بالنسبة إلى فابريزيو فوشيللو "صلة وصل" بين مدن المنطقة. ومشروع Mare Nostrum هو واحد من إثني عشر مشروعاً اختارهم الاتحاد الأوروبي في إطار برنامج التراث الأوروبي المتوسطي. والنقاط الأساسية في هذا البرنامج هي: "الإرث الثقاقي"، "التوعية"، وامتلاك التراث"، "تلك كانت أهم المصطلحات في مشروعنا".

شبكة منوّعة غنيّة بالأفكار
نجح هذا الخبير الإيطالي القاطن في لبنان في نسج شبكة غنية وناشطة. فإلى جانب التعاون الذي توفّره دائرة حفظ الأملاك الهندسية التاريخية في جامعة فلورانسا، وإلى جانب الشركاء الأربعة الأساسيين (الجمعية الإيطالية Paralleli، وبلدية رودس، وبلدية صور، وجامعة القديس يوسف بالتعاون مع معهد التخطيط المدني في جامعة البلمند "مجال")، فإن المشروع تمكّن من استقطاب ست هيئات أخرى من مدن مختلفة، مثل الجمعية التونسية Delarpa، ودائرة السياحة في جامعة Aegean، وبيت أوروبا في رودس، وجمعية الآثار Samotracia في سيراكوز.

وبالنسبة إلى كلودين عبد المسيح، من معهد التخطيط المدني "مجال"، الذي يحضّر كتيّباً يحدّد فيه مواقع انتاج الأعمال الحرفية، وأدوات صناعتها، وهويات الحرفيين، والمتاجر التي تعرضها، "فإنّ المطلوب ليس إعادة رسم مسار الفينيقيين في المتوسّط، وإنّما الارتكاز على الملحمة الفينيقية السلمية لإظهار النقاط المشتركة بين المدن المتوسطية، وما يجمع هذه الدول، لا سيّما في إطار الأعمال الحرفية التي يتمّصنعها منذ آلاف السنين." وقد تمّت دراسة نواح مختلفة في هذا المشروع من دون التركيز على أشياء ملموسة. "من أصداف المريق، تمّ استخراج اللون الأرجواني، الذي تفرّعت من فكرته عدّة أصباغ طبيعية، حسب ما تشير السيدة عبد المسيح، أما صناعة المراكب، فكانت تشتهر بالطابع الفنّي والحرفي. وما زالت بعض مصانع المراكب على الساحل المتوسطي تعتمد تقنيات مشابهة لتلك الفينيقية في تصنيع المراكب. هذا كلّه يشكّل جزءاً من الإرث المشترك، لذلك يتمّ الحديث عن Mare Nostrum وهو مصطلح روماني ينطبق على الفينيقيين كذلك، إنها الصورة التي نودّ إيصالها، والفكرة الأساسية هي في "جمع الماضي بالحاضر".

توعية المجتمعات المحلّية
لا شكّ في أنّ الطابع التشاركي للمشروع فائق الأهمية بالنسبة إلى فابريزيو فوشيللي، ليس فقط من ناحية المبدأ، وإنما كذلك لجهة التطبيق الميداني للمشروع. وكان مشروع "الإرث الثقافي والتنمية الحضارية"، المموّل من إيطاليا وفرنسا عن طريق البنك الدولي، باشر في تأهيل مدينة صور، واستحداث كورنيش رائع للنزهة في المدينة. غير أن المكان تعرّض للإهمال، فتحطّمت بعض المقاعد العامّة فيه إضافة إلى تخريب الإنارة العامّة، وكلّ ذلك، بحسب فابريزيو فوشيللو، لأن "الناس لا يدركون أنّ تنمية المدينة تتمّ لصالحهم، ولتحسين ظروف حياتهم. فالمشكلة الأساسية هي توعية الناس، خصوصاً في لبنان الذي خرج من حرب أهلية طويلة ومؤلمة. فالناس فيه لا يدركون جيّداً أنّ المحافظة على هذه الثروات هي بمثابة المحافظة على إرثهم الثقافي وعلى مجتمعهم."

ومن أجل تحقيق هذا الهدف، تعتبر وكالة الاستشارات Avventura Urbana المعتمدة في صور من قبل Paralleli، أنّ الأهم في الموضوع هو استشارة الناشطين المحليين العاملين مباشرة على الأرض. فهذه الوكالة المتخصّصة في العمل الجماعي الهادف إلى تطوير وتحسين المساحات العامّة، باشرت في دراسة تحليلية لنقاط القوّة ونقاط الضعف وللموارد والأخطار، بهدف تقييم حجم الأعمال المطلوبة فيها. وتوضح إحدى العاملات في هذا المجال والمتحمّسات لهذه المبادرة، إيزابيل توسان، أنّه تمّ تشكيل "مجموعات متخصّصة" تضمّ ممثّلين عن المهنيين ورجال الدين لتهتمّ بهذا الموضوع: بعد ذلك، يتمّ إعداد تقرير مفصّل عن النشاطات المزمع تنفيذها ويدمج ضمن الخطوط العريضة لمشروع Mare Nostrum.

من جهته، يعتبر فابريزيو فوشيللو أنّه من المهمّ جداً إشراك الشعب في عمليات الإصلاح والتنمية، حتىّ يشعر الناس أنفسهم مسؤولين عن هذه النشاطات وعن المحافظة على هذا الإرث. لذلك، فإنّ أمر الإنارة واستحداث المساحات الخضراء يجب أن يولى إلى أفراداً من المجتمع المحلّي مباشرة.

في الخلاصة، لا شكّ في أنّ هذا المشروع يسير بخطى ثابتة: فالمرحلة الأولى (جمع المعلومات) انتهت، والمرحلة الثانية كذلك، وقد تمّ تطبيق المقاربة التشاركية في المشروع النموذجي. والجدير بالذكر أنّه بدأ العمل في المرحلة الثالثة من المشروع، لا سيّما تحديد المواقع ذات الأهمية التاريخية والأثرية والتي تشكّل إرثاُ مهمّاً. وفي كلّ مدينة من المدن الستّ المعنية بمشروع Mare Nostrum، سيتمّ بناء مسار للأماكن التراثية، وتزويد المواقع التاريخية المهمّة في المدينة بلوحات تفسيرية بلغات مختلفة. كما سيتمّ نشر هذه المعلومات حول المدن الستّ على صفحات الإنترنت. والتركيز سيكون على توعية الشباب، بالاعتماد على مسابقتين (الأولى لتلامذة المدارس، والثانية لطلاب الهندسة المعمارية)، وذلك لإستدراج الأفكار حول تنظيم المساحات بين المدينة والمرفأ، حسب ما يشير الرجل الذي أطلق مشروع Mare Nostrum. وقد يكون إشراك المجموعات المحلّية في مشروع جماعي، على أساس الحفاظ على الإرث المشترك، الرسالة المهمّة التي سعت الحضارة الفينيقية إلى تحقيقها، تلك الحضارة التي وحدّت الأمم على قاعدة السلام، حسب ما يرى المستشار العلمي للمشروع.







تعليقاتكم
AMEUR، الجزائر | 17-06-2010, 13.49h

مرحبا

أود التنويه فقط الى ان مثل هذه الآثار هي موجودة بكثرة في الجزائر خاصة في مدنها الساحلية وهناك مدن كاملة مثل مدينة تيمقاد شرشال وهي تمتد حتى 300 كلم جنوب البحر المتوسط.

شكرا